اعتذار ضحية سورية

21 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

إعادة النظر في أدوار الأمم المتحدة في القضية السورية، ومراحل تطورها منذ بداية الثورة عام 2011 وحتى البيان التوضيحي الأخير 18/ 12/ 2020  الصادر من المبعوث الأممي غير بيدرسون، بشأن الخطأ التقني الذي وقع في إحاطته إلى مجلس الأمن، ومدى ملاءمته مع مهمته الأساسية في تيسير الجلسات التفاوضية لإيجاد حل سياسي عادل وفقاً للقرار 2254 وبيان جنيف 1، إعادة النظر هذه يمكن أن تفسر ما آلت إليه حال اللجنة الدستورية، وكيف تحوّلت الوساطة الأممية في القضية السورية من دورها الأساس، وأصبحت كأنها طرف إضافي إلى جانب أطراف النزاع السوري تتغول على حقوق السوريين، وتغير في أولوياتهم الحقوقية والسياسية والمجتمعية.
ويبدو أن المبعوث الأممي يدير مباحثات السوريين على خلفية علاقات الدول وتحرك أدوارها في الساحة الدولية، فحيث يكون الجانب الأميركي نشيطاً ومهتماً بالموضوع السوري، يستند بيدرسون في تسيير أعمال اللجنة وإسنادها إلى القرارات الدولية، بينما تغيب تلك القرارات ومفاعيلها في منتجات اللجنة الدستورية، عندما يكبر حجم الدور الروسي، وينسحب الحضور الأميركي من الفعالية السورية، ويصبح الاعتماد على مؤتمر سوتشي ومخرجاته أساسا للعملية التفاوضية الجارية في جنيف، وهو الأمر عينه الذي تفعله كيانات المعارضة السورية الحاضرة في اللجنة الدستورية.
وبقدر ما كان السوريون يعوّلون على المنظمة الدولية لإنجاز حل سياسي ينهي المأساة السورية، ويتوّج تضحياتهم الكبيرة بالالتزام بإقامة الدولة الديمقراطية التي تحفظ حقوقهم مواطنين أحراراً متساوين في الحقوق والواجبات، ويحرّر الحل المنشود (الدولة السورية) من قيد التوارث الأسري المفروض عليها من نظام الأسد، فإن السوريين ذاتهم اليوم يرون في "الوساطة" التي يمثلها المبعوث غير بيدرسون خطراً على مسار الحل السياسي، وربما تنسفه لتحل مكانه ما يمكن تسميتها العملية التصالحية التي تستوجب اعتذار الضحية، وتقديم براهين لعدم تكرار موتها، والتسبب بإدانة قاتلها تحت طائلة المسؤولية.

يبدو أن المبعوث الأممي يدير مباحثات السوريين على خلفية علاقات الدول وتحرك أدوارها في الساحة الدولية

تعاظمت الخشية في نفوس السوريين، والتي زرعها المبعوث الأممي السابق، ستيفان دي ميستورا، بعد اختراعه السلال الأربع (الحكم الانتقالي، صياغة الدستور، الانتخابات، مكافحة الإرهاب)، لقطع الطريق على المطالبة بتنفيذ القرار 2254 المستند إلى بيان جنيف1، ونجح فعلياً في تغيير الأولويات، وبدأ التلاعب أولا في تحديد تراتبية السلال، لينتهي إلى اختصارها إلى سلة واحدة، وهي سلة صياغة الدستور المحجمة باللجنة الدستورية، ومن ثم السعي إلى صياغة حلول صغيرة سيتم تفكيكها لاحقا لإنجاز حلٍّ "لين"، قابل لتغيير شكله حسب مقتضيات مصالح الدول التي ترعاه.
وأصبحت المخاوف في أعلى درجاتها مع بدء انكشاف بعض الأوراق الموقعة سراً، أو المقدمة من كيانات المعارضة السورية إلى الأمم المتحدة، عن طبيعة الحل الذي تقبل به، ومع قرار رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية بإنشاء الهيئة العليا للانتخابات، وفقط تراجعه "الإعلامي" عنه، ثم الوثيقة المقدّمة من اللجنة الدستورية للأمم المتحدة ببنودها الـ12، والتي تتجنب فيه الاتكاء على القرارات الأممية في بيان رؤيتها للحل الذي تسعى إليه، ما يعني أننا أمام معارضة تختلف في هدفها وعملها عن نظامها الداخلي الذي ينظم عملها ممثلة للمعارضة السورية، وتعمل على تنفيذ القرارات الدولية وليس تقويضها.

غياب مصطلح العدالة الانتقالية عن مطالعة أممية ليحل مكانه عدالة تصالحية تعبير عن مرحلة جديدة من مراحل التعاطي الدولي مع القضية السورية

تلك كانت مقدّمات تضع اللجنة الدستورية بمرجعياتها، أي المنصات الأربع، طرفا تفاوضيا خارجا عن وظيفته الأساسية كمعارضة، ليصبح أيضاً في حالة نزاع مع عموم السوريين الموالين للثورة الذين يمثلهم، ما استدعى إعادة كثير من الشخصيات السورية والتنظيمات السياسية الاعتبار إلى ما سميت ضرورة تشكيل كيان سياسي جديد، قد يكون سببا في إسقاط الأدوار المنوطة بالكيانات المتصدرة للعمل مع الجهات الدولية، وهو الأمر الذي يراهن على فشله مسبقا الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وهو المطمئن لضرورات وجوده للدول التي ترعى المفاوضات، العسكرية منها أو السياسية، وأنه الذراع الضاربة لشريكة ثلاثية أستانة (تركيا وروسيا وإيران).

ربما جاءت مطالعة بيدرسون، في 16 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، لتعزّز المخاوف السورية من دور الأمم المتحدة في العملية السياسية، ومدى قناعتها بوصفها منظمة دولية (قبل قدرتها) بالقرارات التي اتخذتها الدول الأعضاء فيها، ولتكون القشة التي كسرت ظهر البعير، على الرغم من بيانه التوضيحي أنه "خطأ تقني"، هذا الخطأ الذي وقع فيه مسؤول تقني أممي، متجاوزاً به ضرورات العدالة الانتقالية في بلد فيه مليون ضحية ونصف مواطنيه بين لاجئ ونازح، ويسكن مئات آلاف منهم خيما قماشية لا تقي برد الشتاء أو قيظ الصيف، أي أن الأطراف التي يُفترض أن تجلس في مواجهة بعضها بعضا صارت تجلس جمعاً في مواجهة مطالب السوريين بحل سياسي عادل وفق القرارات الدولية وبيان جنيف1.

معارضة تختلف في هدفها وعملها عن نظامها الداخلي الذي ينظم عملها ممثلة للمعارضة السورية، وتعمل على تنفيذ القرارات الدولية وليس تقويضها

غياب مصطلح العدالة الانتقالية عن مطالعة أممية ليحل مكانه عدالة تصالحية، نتيجة خطأ تقني أو مطبعي، أو سواء كان بمبادرة من أعضاء في وفد المجتمع المدني، هو تعبير عن مرحلة جديدة من مراحل التعاطي الدولي مع القضية السورية وتوظيفاتها الإقليمية، وهو صورة الحل الذي تسعى إليه حالياً الأمم المتحدة، في ظل رغبة دولية بتجاوز القرارات الأممية، منذ قبلت بتفتيت القرار 2254 وإلى أن تعاطت مع مخرجات مؤتمر سوتشي 2018، وحيث تمكّن العدالة الانتقالية الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع من الوصول إلى العدالة في أعقاب الانتهاكات التي لا تعد ولا تحصى في سورية (الأسد)، وفي مناطق خارجة عن سيطرته أيضاً، فإن غيابها يعني الطلب من الضحايا حمل أكفانهم على أيديهم، وتقديم فروض الطاعة للجاني، بل، الجناة من كل الأطراف، وليس النظام فقط، وبعض هذه الأطراف أيضاً على طاولة التفاوض ذاتها في جنيف غير بيدرسون بنسخته التصالحية.