اصطفافات مرحلة بايدن

16 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

حتى قبل استلام إدارته السلطة بشكل رسمي في العشرين من الشهر المقبل (يناير/ كانون الثاني)، أخذت تداعيات فوز الرئيس المنتخب، جو بايدن، تظهر في العالم على شكل إعادة اصطفافات وتغير في سلوك الدول والحكومات. وعلى الرغم من أن التحول في المزاج الذي أحدثه فوز بايدن عالمي الطابع، أخذاً بالاعتبار موقع الولايات المتحدة ومكانتها قوة عظمى، إلا أن مظاهره تبدو أبرز في منطقتي الخليج والشرق الأوسط، حيث تستمد الدول والحكومات الكثير من قدرتها على البقاء والاستمرار من عوامل خارجية، وتنضح من شرعياتٍ غير محلية. في الخليج، تسارعت خطوات طي صفحة الأزمة الخليجية، وإنهاء مظاهر حصار قطر استعداداً لتنصيب إدارة أميركية جديدة، بعد أن فشلت قبل ذلك كل الجهود التي بذلت خليجياً (الكويت) ودولياً لإنهائها منذ انطلاقها في يونيو/ حزيران 2017، علماً أن الأزمة نفسها بدأت بمتغير أميركي/ دولي، تمثل بوصول الرئيس ترامب إلى الحكم في الولايات المتحدة، وأجّجتها العلاقة الشخصية التي بنتها دول المقاطعة، خصوصاً الإمارات والسعودية، معه ومع عائلته، تحديداً صهره جاريد كوشنر. ومن الملفت أن الكونغرس قرّر، هذا الأسبوع فقط، فتح تحقيق بشأن مزاعم عن ارتباط مواقف إدارة الرئيس ترامب من الأزمة الخليجية بمصالح مالية خاصة به وبصهره.

ولأن وصول ترامب إلى الحكم شكل حافزاً أساسياً لاندلاع الأزمة الخليجية، من الطبيعي أن يؤدي خروجه إلى حدوث تغيير في دينامياتها وصولاً إلى حلها، على الأقل بين قطر والسعودية التي تجد نفسها في وضع أكثر صعوبةً مع إدارة بايدن من بقية دول المنطقة. ليس هذا فحسب، بل يؤذن خروج ترامب بنشوء خلافاتٍ بين دول تحالف حصار قطر، وبروز اختلافٍ في استراتيجيات تعاملها مع متغير وصول إدارة جديدة أكثر تمسّكاً بتقاليد السياسة الخارجية الأميركية ومقاربة العمل المؤسساتي. ففي وقتٍ اختارت فيه الإمارات تعزيز علاقاتها مع إسرائيل، والوصول بها إلى مرحلة التحالف لمواجهة تركيا وإيران، وحماية نفسها من التغيرات في السياسة الأميركية، وتأثيراتها المحتملة على علاقاتها الثنائية معها، تميل السعودية إلى حلٍّ خلافاتها مع قطر والتهدئة مع تركيا، التي تجد، هي الأخرى، نفسَها على طريق صدامٍ محتملٍ مع إدارة بايدن، أخذاً بالاعتبار تصريحات هذا الأخير المعادية لها خلال حملته الانتخابية، وفرض إدارة ترامب، في أيامها الأخيرة، عقوباتٍ على أنقرة، بسبب شراء منظومات صواريخ إس 400 الروسية وتشغيلها، وهو اتجاهٌ يرجّح أن يستمر ويتصاعد مع إدارة بايدن.

وفيما تتطيّر أنقرة والرياض من بايدن وسياساته، تسود أجواء أكثر تفاؤلاً في طهران، مع توقع عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي، واحتمال رفع بعض العقوبات عن إيران، خصوصاً المتصلة بتصدير النفط. بدأت انعكاسات هذا الأمر تظهر على العلاقات التركية - الإيرانية، إذ يتوقع أن تتقلّص حاجة إيران إلى تركيا اقتصادياً، بعد أن كانت أنقرة تشكل رئةً لها خلال فترة الحصار الأميركي، خصوصاً أن واشنطن استمرّت في إعفائها من الحظر المفروض على استيراد الغاز الإيراني. ولا تُخفي طهران أيضاً غبطتها بقرب انتهاء فترة السماح التي منحتها واشنطن لتركيا في عهد ترامب، للعمل بحريةٍ في تعزيز وجودها وتثبيت مصالحها من القوقاز إلى ليبيا، مروراً بسورية وشرق المتوسط. يتوقع بناء عليه أن يتصاعد التوتر في العلاقات الإيرانية - التركية، كما حصل أخيراً في ردة فعل إيران الحادّة على بيتي شعر ألقاهما الرئيس أردوغان في احتفالات النصر ضد أرمينيا في أذربيجان، والذي عدّه نصراً له أيضاً، وردة فعل تركيا في المقابل على استدراج إيران رئيس فرع السويد "لحركة النضال العربي لتحرير الأحواز" إلى إسطنبول واختطافه منها.

انفتاح السعودية على تركيا وابتعاد هذه عن إيران قد يؤدّي إلى خلخلة التحالف السعودي - الإماراتي، وقد لوحظ خلال الأسابيع الأخيرة تراجع الدعم السعودي للقوى الكردية الفاعلة في شمال شرق سورية، فيما تستمر الإمارات في الاستثمار فيها وسيلة لإغضاب تركيا ومحاصرتها. قد نشهد أيضاً برودة في علاقات السعودية بمصر، وتقارباً أكبر بين هذه وكل من الإمارات وفرنسا وإسرائيل في مواجهة تركيا. كل هذا وأكثر يحصل، ولمّا يستلم بايدن بعد مقاليد الحكم في واشنطن، فماذا لو استلم وذهب أبعد قليلاً مما نقدّره حتى الآن؟