استمرار التهديم الداخلي في سورية
(عبد عابدي)
كان لجملةِ الأحداثِ الدامية في الساحل السوري والسويداء، خلال الأشهر الفائتة، وقعٌ قاسٍ على ذاكرة التحرير الجديد. وربّما أسهمت، بشكلٍ ما، في إعادة تأطير علاقةِ المجتمع بالحكومة الانتقالية في سورية، وبالسلطة عموماً، وهو ما دفع بعضهم إلى اتخاذ مواقف حادَّةٍ ستنعكس لاحقاً على تقييم الوضع السياسي. أحداثٌ ترقى إلى انتهاكاتٍ اعترفت بها الحكومة، وسعت إلى التحقيق فيها، إلى جانب لجان تحقيق دولية. لكنَّ هذه الانتهاكات أثَّرت في المستقبل، ونقلت احتمالاتِ البناء والتشبيك إلى منطقةِ التخوين والتذرّع اليومي باللاجدوى العالقة في سلوكيات الحكومة وقراراتها. وبرَز من ذلك وجودُ فريقٍ ينظر إلى المشهد وكأنَّه لن يُقوَّم إلا بثورةٍ ثانية، وهذا تقديرٌ غير دقيق، فالقوى الفاعلة داخلياً لم تتشكّل بعد، ولا تزال الساحةُ تحتمل الهدمَ أو صراعاً سلمياً من أجل التغيير وفرضِ واقعٍ جديد، في ظلِّ الاستقطاب والمظلوميات القديمة والجديدة التي تغرز أنيابَها في حلم السوريين ببناء دولةٍ تشرك حكومتُها الشعبَ في رسم السياسات العامة، وتسعى باستمرار إلى اتخاذ خطواتٍ تخفّف الضغوط الاقتصادية والأمنية عن المواطنين.
كلما ازداد الضعف السياسي والفقر الفكري، مال الناس إلى تأييد الحاكم بلا مساءلة
من هنا، يمكن التوقُّف عند مشكلة جوهرية لا تقتصر على فهمٍ مُتخبِّط لحوكمة المؤسّسات العامة في سورية، بل تنطلق من الفرد نفسه، من طريقة تفكيره، ومن نظرته إلى المجتمع بوصفه أفراداً منفصلين لا شبكةً من العلاقات والقواعد المشتركة، ومن خوفه من التغيير، وعجزه عن الموازنة العادلة بين المظلوميات. لو كانت المواطنة هي المرجع الأول، لكان من الأسهل الاتفاقُ على معنى وحدة البلاد، وحماية الحرّية، ومكتسبات الثورة. لكنّ شريحةً واسعةً لا تزال تسحب من رصيد هذه المكتسبات لمصالح خاصة، تتعامل مع الثورة بوصفها مورداً للوجاهة أو النفوذ، لا التزاماً عاماً ببناء مناخ سياسي في سورية يصنع التغيير. بهذه الذهنية، غالباً ما يُختَزَل الوطن في الذات الفردية ويُهمَّش "الآخر"، بدل أن يُرى شريكاً على اختلاف مشاربه، عانى ما عاناه من النظام السابق.
وعلى الأرض، يُلاحَظ انقسامُ الشارع بفعل عاملَيْن متداخلَيْن: أولهما انحيازٌ إدراكيٌّ يفكّك الحدثَ الواحد إلى رواياتٍ متعارضة. وثانيهما ضعفُ مفهوم المواطنة، ما يسمح لطرفٍ بأن يبني تصوُّره على سيناريوهاتٍ خارجَ المعطيات، ولطرفٍ آخر بأن يوسِّع معنى "الانتصار" حتى يبرّر القسرَ والانتهاكاتِ باسم عدالةٍ انتقاليةٍ مؤقَّتةٍ في مناطق محدَّدة. هذا المناخ يعيد إنتاجَ الاستقطاب ويُضعِفُ أيَّ توافقٍ مدنيٍّ على قواعد مشتركة لإدارة المرحلة. هكذا يسبق الموقفُ المعلوماتِ، ويتحوّل النقاشُ دفاعاً عن رأي مسبق، وتضيع البوصلةُ العامة في رصد الوقائع. والمطلوبُ فصلُ الخبر عن الرأي، وخفضُ نبرةِ التخوين والكراهية، حتى يبقى الخلافُ سياسياً قابلاً للإدارة، لا اختبارَ ولاءٍ مسبق.
أضف إلى ذلك أنَّ ثمَّة كتلةً غير قليلة من السوريين محكومةٌ بعقلية الامتثال؛ تصفّق لكل سلطة قائمة، وتقدّم الطاعة على المحاسبة. في المقابل، لا ينبغي أن يغيب عنّا أن نظام الأسد وآلته الأمنية استأصلا عدداً كبيراً من العقول المعارضة والحالمة بالحرية، عقول كان يفترض أن تتنافس سلمياً داخل فضاء الاختلاف اليوم. هذا الاستئصال، ومعه خوفُ شريحةٍ "محايدة" لم تنتمِ إلى النظام ولا إلى الثورة، أضعف الرافعة الشعبية للحراك المدني، حتى بدا السلاحُ لكثيرين خياراً وجودياً لا بدَّ منه، ما ساهم بقوة في نمو العصابات والجماعات المتمرِّدة تحت ستار طائفي. هكذا يتبدَّى الانقسام الأيديولوجي داخل المجتمع؛ بين خوفٍ يشلُّ الإرادةَ، ولا مبالاةٍ تتواطأ بصمت، وميلٍ إلى العنف تارةً ارتجالاً وتارةً عن قناعة.
لا يكمن الخطر في حامل السلاح فحسب، بل في ملايين اختاروا الصمت، إذ بتكلّسِ الحيادِ يصبح السلاحُ صاحبَ القرار، وتضيعُ فرصةُ التحوّل السلمي نحو مستقبلٍ يختم طريقَ الدم. و"النسبة التمثيلية" في البلاد مظلومةٌ ومُعطَّلة؛ ومن ثمَّ فإن قيادة المجتمع نحو الانفتاح والتعدّدية والمواطنة شرطٌ لاستكمال الحلم الثوري وترجمته، من الانفعال والهياج، عملاً سياسياً موضوعياً سِلمياً، يتطلّب مشاركةَ الجميع، وتنظيمَ الصفوف، وبناءَ أدواتٍ مدنيّةٍ قادرةٍ على التأثير. والأدوات هنا: المنتديات السياسية، والمنظّمات المدنية والتنموية، والمؤسّسات الإعلامية والنقابات والاتحادات... إلخ؛ أي إن روحَ الثورة المدنيّة يجب أن تبدأ من المجتمع، بمعزلٍ عن تصوّرات السلطة، ليكون المجتمعُ جزءاً من القرار والتأثير بشكلٍ مستمرّ.
ثمَّة صراع فكريٌّ واضح بين السوريين حول معنى "انتصار الثورة"، وموقع السلطة، وحدود الدولة. هذا طبيعي في مراحل التحوّل بعد سقوط الأنظمة الحاكمة، لكن تحويله إلى ذريعة للتخوين وتفكيك المجال العام غير مقبول. الطغيان لا يحتاج إلى تبرير، بل إلى كشفٍ منهجيٍّ لآلياته، إذ يُقدِّم نفسَه غالباً حامياً عبر مقارناتٍ انتقائيةٍ بين الماضي والحاضر، ثمَّ يرسِّخ نفوذَه حتى يتحوَّل استبداداً كاملاً. وكلّما ازداد الضعف السياسي والفقر الفكري، مال الناس إلى تأييد الحاكم بلا مساءلة، وتراجعت قدرة المجتمع على انتزاع حقوقه.
لا تعدّل السلطة الانتقالية الحاكمة سلوكَها إلا حين يُسلِّط المجتمعُ والإعلامُ الضوءَ على الخطأ
اليوم يستمرُّ التفكّك البنيويُّ في منظومة الحوكمة واتخاذ القرار، وفي الوقت نفسه يترسَّخ لدى بعض الفئات تصوُّرٌ انهزاميٌّ بأن الواقع سيبقى على حاله في المدى القريب. وبرأي كاتب هذه السطور، أن نصف المشكلة هزيمة الإرادة، ونصفها الآخر إرث الشمولية: تربية طويلة على التعصّب والطائفية وإضعاف فاعلية المواطنة، مع شكٍّ عامٍّ في الوعود والسياسات، حتى عند وجود خطواتٍ عمليةٍ محدودة لا تلبّي الحدَّ الأدنى من التوقُّعات. ومع هذا الإرث، برزت تيارات ذات مرجعية غيبية وغير جامعة ومنحازة هُويَّاتياً، تقدَّمت بفعل الخوف والارتباك إلى مواقع تأثير في المجتمع، كما في السويداء مثلاً.
وفي سياق تفكّك المنظومة القديمة وبروز سلطةٍ انتقالية، اختلطت حدود الخصومة، فمن السوريين من وقف مع الثورة منذ بدايتها ورفض عسكرتها، وتعرَّض جزءٌ كبيرٌ منهم للقتل أو السجن أو التهجير بفعل القمع، ومنهم من اندفع، تحت وطأة الجرح والانسداد (آنذاك) إلى تبنّي الخيار العسكري لإسقاط سلطة الأسد، ومنهم من استمرَّ في تبرير الجرائم وتكريس استمرارها حتى اليوم، ومنهم من اختار صمتاً براغماتياً يرضى بأيِّ حاكم ما دامت السلطة قائمة، ويتجاوز الأخطاء ما لم تتحوَّل فضيحةً علنيةً، وهم أغلبية كبيرة في المجتمع السوري.
لا تعدّل السلطة الانتقالية الحاكمة سلوكَها إلا حين يُسلِّط المجتمعُ والإعلامُ الضوءَ على الخطأ. أما ما يمرُّ بصمتٍ، فتضيع معه حقوقُ أصحابِه. عند هذه العتبة، يشتدُّ الالتباسُ بين الدولة المتعبة المنهارة والسلطة الانتقالية الحاكمة؛ فريقٌ يراها صواباً مطلقاً، ويعدُّ نقدَها استهدافاً للدولة ومكتسبات الثورة، وفريقٌ يسعى إلى تصويبها من موقعٍ وطني جامعٍ خارج الاصطفافات الأيديولوجية. وبما أن السلطة الانتقالية لم تتبلور بعدُ استراتيجيةَ حكمٍ مكتملةٍ، فحقُّ الناس في التقييم والطلب والتوضيح والانتقاد والكتابة ثابت، من دون تخوين ولا مساس بالوطنية، الآن وفيما بعد. أما التطبيلُ للإنجازات أو الإخفاقات فلا قيمة سياسية له. المشكلةُ أعمقُ من الشعارات، هي في الفرد الذي لم يتدرَّب بعدُ على العمل العام بحرية ووضوح، ولم يكتسب مهارةَ التفريق بين سلطةٍ تُحاسَب ودولةٍ تُصان. وتحقيرُ الخصوم بالشتائم، والتقليلُ من شأنهم، أسلوبٌ سوقيٌّ يُبقي البعثية المتوارية حيّةً في الممارسة والخطاب. لسنا نحاكمُ الخلافَ في ذاتِه، لكنّ الخطيئة هي استثمارُه لإضعاف الانتماء وإدامة القطيعة. حين دفع السوريُّ دمَه وحياتَه فلكي يتكلَّم ويرفض ويُعبِّر؛ لم يكن ليُنبت طغاةً جدداً (من أيِّ جهة) يصادرون هذا الحقّ.
تنجو الدول بالنقد، وتتآكل الجغرافيا حين يتخلّى الناسُ عن القراءة وفهم التاريخ
طريقُ التغيير طويلٌ ومكلف، وهذا ما تثبته وقائع السنوات الماضية؛ قتلٌ واعتقالٌ وتهجيرٌ واسع، اقتصادٌ مُمزَّق، وثقةٌ عامةٌ منهكة. في هذا السياق، لا تنضج المواطنةُ بالخُطب، بل بالممارسة: تربيةٌ تُدرِّب على حقّ السؤال، ومدرسةٌ لا تُطبِّع مع العنف، وإعلامٌ يقدّم معلومةً قابلةً للتحقّق، ومساحاتُ مساءلةٍ تعيد الفصل بين دولةٍ تُصان بالقانون وسلطةٍ تُحاسَب بالأداء. هُويَّتنا المشتركة تُقاس بقدرتنا على تحويل الاختلاف عقداً سياسياً يخفّف العنف وينظّف المجال العام من الكراهية، ويردُّ السياسة إلى معناها المباشر، وهو خدمةُ الناس وإدارةُ الموارد، لا إدارةُ الولاءات. إنّ تفكيك الخصومة في سورية يبدأ بالعودة إلى الواقع. تمدُّد التيار الديني نتج من فراغٍ سياسيٍّ وخدماتيٍّ، واستند إلى بنىً فصائلية وخطابٍ تعبوي. وفي المقابل، تراجع التمثيل المدني بسبب ضعف مؤسّسات المواطنة والرقابة والإعلام المهني. الاستجابة ليست بمزيدٍ من الاستقطاب، بل بانتقالٍ عملي يفتح قنوات تواصل مع الحكومة القائمة، بهدف تفكيك خطابها بالحجَّة والوقائع، وإشراك المجتمع المدني في تفكيرٍ نقديٍّ يميّز بين المصلحة العامة والدعاية، وبين الممكن الفوري والإصلاح التراكمي. كذلك إن الانشغال بالغيبيات على حساب الشأن العام عطَّل فهم الواقع وإدارته.
عملياً، يُحوَّل الزخم الاحتجاجي برنامجاً وطنياً جامعاً يقوم على لامركزيةٍ إداريةٍ تقرِّب القرار من المجتمع، ورقابةٍ أهليةٍ على الخدمات والموارد، وعدالةٍ انتقاليةٍ تدريجيةٍ قابلةٍ للتنفيذ، وإجراءاتٍ معيشيّةٍ مباشرةٍ تخفف كلفة السياسة على المواطنين. ذهنياً وقانونياً، يجري الانتقال من منطق الثأر إلى تعاقدٍ قانوني يضمن أمناً يومياً ومحاسبةً مؤسّسيةً وحقوقاً متساوية. القاعدة واضحة؛ الدول تنمو بالنقد، والجماعات تنهار مع التطبيل، والجغرافيا تتآكل حين يتخلّى الناس عن القراءة وفهم التاريخ. المطلوب سياسةٌ تدير الواقع بدلَ الارتهان لأوهامه، وتنقلنا من إطارٍ ثوريٍّ ضيّقٍ إلى سياسةٍ وطنيةٍ قادرةٍ على احتواء التوتّر ومنع إعادة إنتاجه.