استحالة الثورة وامتناع الإصلاح في لبنان

04 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

الثورات حدث تاريخي انعطافي ومفاجئ إلى حد كبير، ولها أسباب متراكمة بعيدة الغور. ثم أنها تجري من تحت، من الأدنى، أي من الشعب في تمثّلاته السياسية المختلفة، وهي تتضمّن العنف أحيانًا بمقادير غير محسوبة تمامًا. أما الإصلاح فهو حدثٌ يجري من فوق، من الأعلى، أي في المؤسسات العليا للسلطة، تحت ضغط الشعب، أو جرّاء ضغط التحولات الدولية الحاسمة، كالحروب الكبرى أو العولمة. وغاية الثورة هي الاستيلاء على السلطات كلها بالقوة، وإلغاء جميع المؤسسات الدستورية (البرلمان والحكومة والقضاء)، وإلغاء الجمعيات السياسية (الأحزاب والنقابات)، وتطبيق برنامج الثورة كاملًا في ما لو كان ذلك ممكنًا. والإصلاح هو النتيجة المنطقية للضغط الشعبي على السلطة الحاكمة، لإرغامها على تنفيذ الإصلاحات، من غير أن يؤدّي ذلك إلى سقوط تلك السلطة، أو تعليق عمل المؤسسات الدستورية. والثورات لا تتضمن، بالضرورة، الديمقراطية؛ فالثورة الروسية ضد القيصرية المستبدّة في سنة 1917 جاءت بالاستبداد اللينيني – الستاليني، مع أن اسم حزب لينين وستالين وتروتسكي كان "الحزب الديمقراطي الاشتراكي". وثورة الضباط الأحرار على النظام الملكي الفاسد في مصر في 1952 لم تجلب الديمقراطية إلى مصر. والثورة الايرانية ضد دكتاتورية الشاه محمد رضا بهلوي في 1979 جاءت بالاستبداد الديني وحكم رجال الدين. والثورة الشعبوية في أفغانستان ضد مناحرات المجاهدين وتقاتلهم على السلطة والنفوذ والمال والمخدّرات في عام 1996 أدت إلى انفراد حركة طالبان بالسلطة وتأسيسها حكماً دكتاتورياً مروّعاً. 

جميع ثورات العالم تقريبًا فشلت. ومعيار الفشل هنا عدم الوصول إلى غاياتها المعلنة، فثورة العبيد في صقلية الرومانية بقيادة السوري يونوس (132-135 ق.م.)، فشلت، وكذلك ثورة العبيد في روما بقيادة سبارتاكوس (70-73 ق.م.). وعلى غرارهما فشلت ثورة الزنج في البصرة بقيادة علي بن محمد الورزنيني (867-883 ميلادية)، وثورة الفلاحين في ألمانيا بقيادة توماس مونتزر (1525)، والثورة البلشفية في روسيا (1917). وفي أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين أصيبت حركات الاحتجاجات بمتلازمات شتى (سيندروم): متلازمة غورباتشوف في 1990، أي الإصلاح الذي أدّى إلى الفوضى، وإلى صعود بوريس يلتسين. ومتلازمة الجزائر في 1992، أي الانتخابات التي أدّت إلى حرب أهلية دامت عشر سنوات (العشرية السوداء). ومتلازمة سورية في 2011، أي الاحتجاجات التي تحولت إلى حربٍ أهلية ذات سمات طائفية. ومتلازمة مصر في 2013، أي الثورة الشعبية التي أدت إلى عودة الجيش إلى السلطة. وعلى هذا المنوال، يمكن استنباط متلازمات أخرى في ليبيا واليمن وإيران والسودان. 

لم يتمكن المحتجّون المستقلون من تطوير قيادة، أو هيئة تنسيق فاعلة وجدّية، تمتلك الحد الأدنى من الرؤية السياسية المشتركة

.. منذ اندلاع الحركة الاحتجاجية في لبنان، وخلافاً للكلام اليومي المتمادي عن الثورة والثوار والثائرين والمتسللين إلى صفوف الثورة، والمتسلّين بليالي الثورة، كان الوضع العام، نظريًا على الأقل، أمام مفترق طرق: إما ثورة أو إصلاح. لكن الثورة في لبنان مستحيلة؛ فهي ستتحول، خلال ساعات، إلى حربٍ أهلية، في ما لو بادرت جماعاتٌ معينة إلى ذلك الأمر. وبهذا المعنى، الخيار الممكن هو الإصلاح الذي يعني، في الأعراف السياسية، ممارسة الضغط الشعبي الواعي والمتدرّج على السلطة السياسية الفاسدة والناهبة والمتخلفة، كي تُرغَم على اتخاذ إجراءات إصلاحية عاجلة، ثم سنّ القوانين الملائمة لتلك الغاية. ولكن التجربة العيانية والتاريخية قدّمت لنا خلاصة مهمة، أن الإصلاح بدوره شبه مستحيل في النظام الطائفي اللبناني، فحتى لو أجبر المحتجون السلطةَ السياسية على الخضوع أحيانًا لمطالبهم، واتخذتْ تلك السلطة إجراءات إصلاحية جزئية، أو أصدرت قوانين إصلاحية، فإن تلك السلطة نفسها قادرةٌ على تعطيل كل ما اتخذته من قوانين ومراسيم وقرارات وإجراءات، وعلى الانقضاض على قراراتها نفسها. وبدهي أن من غير الممكن، على الإطلاق، أن تنقلب هذه السلطة على نفسها، وأن تُصدر قوانين جديدة في شأن الأحزاب والانتخابات والأحوال الشخصية واستقلالية القضاء ومحاسبة الزعماء الفاسدين والقادة اللصوص، فالسلطة الجاثمة على صدور الناس تبدو قوية جدًا في مواجهة الإنتلجنسيا الضعيفة والإصلاحيين المتنورين والمجموعات المحتجّة، وهي تستمد قوتها القاهرة من قوة الطوائف والأحزاب الطائفية المتشاركة في اقتسام الثروة الوطنية. انتظار الإصلاح من هذه السلطة إنما ينطبق عليه المثل الشعبي: "يا طايل الدبس من قفا النمس". 

إذًا، الإصلاح الجذري في لبنان غير ممكن، لأن كثيرًا من الجماعات المنتفضة ينتمي عضويًا إلى الطوائف، وإلى القوى السياسية التقليدية المؤسسة للسلطة ذاتها. ولهذا كانت حركة الاحتجاجات مثل مهرجان متعدّد الألوان؛ فكل طائفة أو جماعة حملت بيارقها، ونزلت إلى الساحات والشوارع والأزقة للتظاهر. وفي الوقت نفسه، لم يتمكن المحتجّون المستقلون من تطوير قيادة، أو هيئة تنسيق فاعلة وجدّية، تمتلك الحد الأدنى من الرؤية السياسية المشتركة، وفشلوا في صوغ برنامج سياسي ومطلبي واقعي. وكان في إمكان أي مراقب أن يحصيَ مئات المطالب المتنافرة والمتغايرة والمتناقضة في الوقت نفسه، وأحيانًا في الساحة نفسها، الأمر الذي يدلّ على أن "مجتمع" المحتجّين يطابق تماماً مجتمع اللبنانيين، بانقساماته وتشققاته وصراعاته وخلافاته. ومن الإنصاف القول، خلافًا لمزاعم أحزاب السلطة، إن جمهور المحتجّين لم يكن طابورًا من الغوغاء والرعاع، كما أنه لم يكن جمهورًا راقياً في مجمله، أو مضحيًا وثابتًا على مواقفه. ولهذا لم يكن غريبًا، في خضم حركة الاحتجاجات، أن يتفرّق المتظاهرون طرائقَ ويتمزّقوا خرائقَ، الأمر الذي حدا بالمتحسّرين إلى ترديد كلام من عيار "نعم لمطالبكم، لا لوسائلكم". 

إذا أُعلنت حال الطوارئ، فالمهمة الفورية ستكون تأليف حكومة خبراء ومختصين تدير شؤون الناس ومصالحهم

.. ما دامت الحال على هذا المنوال، أي لا ثورة ولا إصلاح، فالمخرج النظري الممكن، والصعب في الوقت نفسه، وربما المستحيل أيضًا، هو التالي: إعلان حالة الطوارئ في جميع أنحاء لبنان طولًا وعرضًا، وتعليق الدستور، وحل المؤسسات الدستورية كلها (السلطات: التنفيذية والتشريعية والقضائية)، والحجْر على رؤساء تلك السلطات، والقبض على الوزراء والنواب وحاكم المصرف المركزي ونوابه، ومديري المصارف، الحاليين والسابقين، علاوة على التجار اللصوص والمعتدين على المال العام وقادة الأحزاب، ومصادرة أملاك الوزراء والنواب ورؤساء المصالح ورؤساء مجالس الإدارة في الشركات الكبرى، وأملاك الذين سرقوا المشاعات ورمول الشاطئ وصادروا أملاك الدولة وشادوا عليها المشروعات السياحية على امتداد الساحل اللبناني؛ هؤلاء السُّراق الذين نبتوا منذ زمن نهب تعويضات منطقة وادي أبو جميل على الأقل، وسرقوا كل شيء، كصندوق المهجرين وصندوق الجنوب ومجلس الإنماء والإعمار والهيئة العليا للإغاثة والصناديق الطائفية الأخرى، صعودًا حتى زمن الكهرباء والطاقة والاتصالات والزراعة. وعلاوة على ذلك، يجب مصادرة أملاك الزوجات والأبناء والبنات وأزواجهن والإخوة والأخوات وأبناء العمومة والخؤولة والأصهار كلهم، ولو مؤقتًا، وإنشاء محاكم استثنائية للفصل السريع في هذه الأمور، بحيث يوضع الجميع أمام القضاء الذي سيفرض غراماتٍ على كل من اعتدى على الأملاك العامة، فيدفع المعتدي فورًا مبالغ تتناسب مع أسعار الأملاك المعتَدى عليها، وإلا تُصادر العقارات وتباع في المزاد العلني، ويُرمى المعتدون في السجون بلا أدنى تردّد أو رحمة. وإذا لم تبادر السلطة الجديدة الموقتة إلى ذلك، فليس مستبعدا أن يعيد اللبنانيون مسلك رجال الثورة الفرنسية (1789)، والثوار البلاشفة في روسيا (1917)، فنرى، والحال هذه، أصحاب المصارف ورجال السياسة وزعماء الطوائف ورجال الدين مشنوقين على أشجار الأحراج في الأرياف وأعمدة الكهرباء في المدن، ونرى قصورهم الجميلة ميدانًا لسواعد الجائعين التي ستجرف القصور الباذخة وتنهب المنازل الفاخرة. 

إذا كانت هذه التصوّرات غير ممكنة، وهي غير ممكنة على الأرجح، بل مجرّد زفرات وأوهام وكلام مُسلٍّ، إذاً، ليسنّ كل مواطن أسنانه استعداداً ليأكل مواطناً آخر أو أكثر، أو ينهب منزلاً، أو يسرق مخزناً للطعام أو مستودعاً للدواء. 

... إذا أُعلنت حال الطوارئ، فالمهمة الفورية ستكون تأليف حكومة خبراء ومختصين تدير شؤون الناس ومصالحهم، وتُسيّر المؤسسات الخدمية، كالكهرباء والمياه والوقود والغذاء والمصارف. وعلى هذه الحكومة الاستثنائية التي تعمل بقوة السلطة العسكرية، وبموجب قوانين الطوارئ وأحكامها، إعداد قوانين عصرية غير طائفية، بل عَلمانية، للانتخابات والأحزاب (تُلغى الأحزاب الدينية والإثنية)، وللأحوال الشخصية وللقضاء، وإصدار التعديلات الدستورية لإعادة تكوين السلطة وأجهزة الدولة، خلافًا لما كان سائدًا، مثل المحاصصات الطائفية. وخلال سنة واحدة فقط، على سلطة الطوارئ أن تنجز جميع الإصلاحات المطلوبة، فتُجري انتخاباتٍ حرّة بناء على قانون الانتخابات الجديد، وتحت رقابة الأمم المتحدة ومنظمات دولية مستقلة. وسيكون على المجلس النيابي الجديد أن ينتخب رئيسًا للجمهورية، ويتم تأليف حكومة جديدة بناءً على أحكام القوانين الجديدة والتعديلات الدستورية المتّخذة، ويعود الجيش إلى ثكناته، على أن يبقى ضامنًا العملية الدستورية مدة لا تزيد على عام إضافي واحد. وفي خلال ذلك العام، يكون المجلس النيابي مدعوّا إلى إصدار قوانين تضفي الشرعية على جميع ما أصدرته سلطة الطوارئ المؤقتة، حتى لو احتاج الأمر إلى تعديلات طفيفة هنا وهناك. 

حين تُغلق جميع المخارج، وتصبح الحيل كلها غير ممكنة، لا تتبقى إلا الحلول القاسية

الديمقراطية نظام سياسي للدولة. إذاً، يجب أن تكون لدينا دولة أولاً ترعى حياة الناس وتقود عملية الاندماج الوطني، وتغذّ السير في الطريق السياسي والاجتماعي، إلى أن تصبح دولة المواطنين الأحرار. والديمقراطية إنجاز تاريخي وغاية رفيعة تنشدها الإنسانية بلا ريب. لكن الديمقراطية في غابات الطوائف وأدغال المذاهب والعشائر اللبنانية لا معنى لها من غير دولةٍ لجميع مواطنيها. الدولة، بالمفهوم الهيغلي، هي الغاية الأسمى للفرد والجماعة، ثم يأتي شكل النظام السياسي. ولبنان لم يتمتع، في تاريخه القصير، بالنظام الديمقراطي قط. والدولة اللبنانية التي نشأت، منذ بداياتها التأسيسية، تحت الاستعمار الفرنسي، ثم تطوّرت بعد الاستقلال بصور شوهاء، لم تكن دولة ديمقراطية ولا حتى مرة واحدة. النظام السياسي اللبناني برلماني توافقي، أي أنه تواطؤ بين طوائف، لا بين مواطنين. فالديمقراطية تفترض، أول ما تفترض، المساواة. والمساواة في النظام السياسي اللبناني غير متوفرة ألبتة، فلا السُنّي يمكنه أن يصبح رئيسًا للجمهورية، ولا الماروني يستطيع أن يصبح رئيسًا لمجلس النواب، ولا الشيعي يستطيع أن يتولى قيادة الجيش .. وهكذا. والانتخابات في لبنان كان يشوبها دائمًا التزوير، مثل انتخابات عام 1957 التي أسقط فيها كميل شمعون جميع زعماء المعارضة، أمثال كمال جنبلاط وصائب سلام ورشيد كرامي .. وغيرهم. والانتخابات في لبنان لا تعني احترام إرادة المواطن، بل تجديد شرعية زعماء الطوائف وتابعيهم ومناصريهم. ونظام التوافق الطائفي في لبنان يعاكس الديمقراطية تماماً، وإن تزيّا بزيّها. والديمقراطية في الدول الديمقراطية سلطة حقيقية، تستطيع أن تُحاسب المسؤول أمام الهيئات القضائية، مهما بلغت مكانته. أما في لبنان، فلا أحد يُحاسَب، حتى لو نهب أموال الأنبياء، واشتهى راهبات الدير، وسطا على أموال اليتامى والمساكين، وسرق سجاد المساجد. 

ليس أمام اللبنانيين اليوم، كي يتجنّبوا التفكك والحروب الأهلية، غير الحلول الصعبة والقاسية

.. ربما يكون هذا التصوّر مجرد كلام بكلام، ونصيبه من التحقق صفر. فحتى فكرة إعلان حال الطوارئ، وتعليق العمل بأحكام الدستور تبدو متهافتة، بل مستحيلة، لأن لا شيء يضمن عدم تشقق الجيش في ما لو تسلم السلطة ولو بصورة مؤقتة. وليس بالضرورة أن يتكرّر في لبنان ما فعله المشير عبد الرحمن سوار الذهب في السودان، حين تسلم السلطة بانقلاب عسكري بعد انتفاضة نيسان/ إبريل 1985 الشعبية، ثم سلّم الحكم إلى المدنيين بعد سنة فقط، أي في مايو/ أيار 1986، واعتزل السياسة. هل هذا التصور كابوسي؟ نعم، وهو ليس حلاً مبتكراً أو ثورياً أو تاريخياً، لكنه حلّ المخارج الموصدة؛ فحين تُغلق جميع المخارج، وتصبح الحيل كلها غير ممكنة، لا تتبقى إلا الحلول القاسية. وليس أمام اللبنانيين اليوم، كي يتجنّبوا التفكك والحروب الأهلية، غير الحلول الصعبة والقاسية التي ربما تقيهم الانهيار النهائي والاندثار الأخير، وهذه المرّة لا يوجد أحد ليلمّ لبنان من الأرض، وينتشله من الهاوية، أو يصلي عليه. 

في تقاليد الحروب القديمة، يُمنع قتل الملك ويُحظر سبي الملكة. وهذا يعني، في السياسة، عدم المسّ بالملكية الخاصة (أي الملك)، وعدم المسّ بالقوات المسلحة (أي الملكة)، فهل تكون القوات المسلحة المنقذ الذي سيحفظ الملكية الخاصة للبنانيين، أي ودائعهم المهدّدة بالتبخّر في المصارف، بعدما نهبها قادة الدولة وزعماؤها ووزراؤها ونوابها وموظفوها الكبار والصغار؟