استجابات الهوية المهدّدة

06 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

مع مزيد من انفتاح العالم وإزالة الحواجز وتحوله من قرية صغيرة إلى هاتف محمول ذكي، يتسلط على العالم الحديث وسواس تلاشي التمايزات، وبات الخوف على الهوية المهدّدة في كل مكان، ما جعل قضايا الهوية تتقدم القضايا المطروحة على الجميع. دخل الجميع مأزق الهوية، مع انهيار الأمل في تغيير العالم، وهذا يعبر عن نفسه في أزمات الهوية اليوم، ولا تقتصر هذه الأزمات على مجتمعات الهوية الجمعية، بل تشمل المجتمعات الفردية الحديثة أيضًا، وهذا ما نجده في نقاشات الهوية التي تفرض نفسها، بعد تراجع الحديث عن الصراع الطبقي الذي كان سائدًا قبل أربعة عقود في فترة الحرب الباردة. بذلك بات الجميع يعيش أزمة هوية، ولو اتخذت هذه الأزمة أشكالا مختلفة باختلاف المجتمعات. ويبدو أن صعود موضة الهويات ترافق مع أفول موضة الصراع الطبقي، بوصفه انهيارًا للسرديات السياسية الكبرى، كما ترافق مع تشظّي الأحزاب الكبيرة وانهيارها، وحيرة الجمهور وإقلاعه عن السياسة، واستنكافه عن المشاركة في الانتخابات السياسية في بلده.

يبدو أن صعود موضة الهويات ترافق مع أفول موضة الصراع الطبقي، بوصفه انهيارًا للسرديات السياسية الكبرى، كما ترافق مع تشظّي الأحزاب الكبيرة وانهيارها

هناك أوضاع تاريخية تنتج أزمة هوية، وعندما تكون هذه الأوضاع ملتبسةً وانعطافيةً وغائمةً وتختلط فيها القيَم وتفتقر إلى العدالة، تصبح الهويات القديمة المتخيلة الرد على وضع تاريخي مزرٍ. في أوضاعٍ كهذه، لا يستطيع المرء الانتماء إلى زمنه، بأن يكون جزءًا من الفردنة المعاصرة، فيحاول إيجاد صورة موازية للفردانية المرذولة في مجتمعه، فيجد في الهويات القديمة التي تروجها سلطات معادية لكل ما هو حديث ملجأ لتحدّي هوية مختلفة، لا يجد نفسه جزءًا منها، بل يشعر أنها تضطهده. هكذا يتم إنتاج هوية مأزومة، لا هي تنتمي إلى الحاضر، ولا هي تنتمي إلى الماضي، على الرغم من محاولة جرّ الماضي إلى الحاضر عنوة، وبأسوأ الأساليب، والتي يكون العنف من أسوأ أساليبها للإعلان عن نفسها، بوصفها تحدّيا على الآخرين أخذه بعين الاعتبار، يأتي هذا العنف من هوية يائسة في إثبات ذاتها.

لأن الإنسان كائن يتشبث بشبكة المعاني التي نسجها بنفسه، حسب ماكس فيبر، فليس هناك من نشاط لو كان مادّيًا، إلا يكون منتجًا في الوقت نفسه لمعان ورموز. واستناد هذه الرموز إلى الماضي لتبرير نفسها، لا يحجب حداثتها بقدر ما يبرّرها. وكما يقول فرويد "الأنا ليس واحدًا" لذلك، الفرد في المجتمع ليس الإنسان الكامل والعقلاني، فكثير من مكونات الهوية متخيّل غير عقلاني.

تخترع المجتمعات ثقافتها وتقاليدها، وهذا اختراع حديث يعود إلى تاريخ قريب، ويتم إنتاجه عبر تفاعلات المجتمع ذاته والتعامل مع أزماته واستجابته لهذه الأزمات

تخترع المجتمعات ثقافتها وتقاليدها، وهذا اختراع حديث يعود إلى تاريخ قريب، ويتم إنتاجه عبر تفاعلات المجتمع ذاته والتعامل مع أزماته واستجابته لهذه الأزمات، ولا شك بأن هناك عوامل محلية وإقليمية وخارجية، تؤثر في هذا التَشكُّل، خصوصا في مجتمعات مكشوفة تمامًا أمام الخارج. وهناك نوعان لتشكيل الهوية. الأول، الهوية الفردية (الفردنة)، وتعني الفردنة تفوقًا متزايدًا للأنا على النحن، المشاركة الفعالة للمواطنين في ما يخصّهم، وأخذ الهويات الشخصية في الاعتبار في القرارات الجماعية. وهذا لا يعني أنها وصفةٌ ناجحةٌ لهوية صلبة، فنحن نرى أزمات الهوية ما زالت حادّة حتى في المجتمعات الأوروبية الأكثر حداثةً، على الرغم من فرديتها العالية. والنوع الثاني، الهوية الجمعية (عدم الاعتراف بالفرد)، هي شكل من أشكال استمرار الهوية القديمة، والاعتقاد بصلاحيتها لكل زمان ومكان، وهي فعليًا لا تتلاءم مع الزمن الحديث، لأنها تقوم على أنظمة ومواقع ثابتة للفئات في هذه المجتمعات، ويُعرّف الفرد نفسه بوصفه عضوًا في جماعة، ويحدّد هويته بوصفه امتدادًا لها، وليس بوصفه كائنًا فردًا. ويخضع هذا النوع من الهوية خضوعًا وثيقًا للإيمان بالطابع الأساسي للانتماء إلى جماعةٍ معينةٍ تعتبر أساسية وثابتة وحيوية للوجود الفردي، دونها الفرد لا قيمة له، في تشكيل هويته ضمن هذه الجماعة. ومن هذا النوع من الهويات، ولد دعاة انغلاق الهوية الذين يعتبرون كل انفتاح تهديدا لهويتهم، وسعيا إلى تحطيم خصوصيتها لتحطيم المجتمع ذاته. كما يحاول دعاة انغلاق الهوية الاستناد إلى ثقافة جامعة عابرة للزمن، تتشكل من تمثلات ثابتة على مدى زمني طويل. بمعنى آخر، الانغلاق الذي ينتجه هؤلاء الدعاة يعتبرونه نتاج تاريخ محلي، وتقاليد محلية مستقرة منذ زمن طويل، وذلك عبر وصل اختراع الانغلاق الهوياتي الحديث مع الثقافة الموروثة لتأصيلها في الثقافة المحلية، وذلك بنقل المعاني عبر الزمن، من أجل دعم الانغلاق المخترع بأصالة مزعومة، بإعطاء معنىً جديدٍ لنصوص كتبت قبل قرون، وما كانت المعاني التي تُحمَّل لهذه النصوص لتخطر على بال كتابها. وعملية نقل المعنى وتحويله تتم بشكل يومي وبطيء، لكنه ثابت، تتواطأ لتكريسه عده جهات وقوى قد تبدو متناقضة.

هناك ضرورة للتحرّر من الأطر والهويات الجماعية، كعامل أساسي للانتقال الكبير من سيطرة الروابط الجماعية

وهذا ما نستطيع قوله عن التحولات في المجتمعات العربية المركزية، بما يتعلق باللباس، خصوصا لباس المرأة، بما هو حجب لها وإخراجها من الحياة الاجتماعية والسياسية، وهذا لا يشمل الاستخدام الواسع للحجاب بضغوط اجتماعية وسياسية على مستوى الانتشار الاجتماعي الأفقي فحسب، بل وكذلك على مستوى سن حجب المرأة، وإخراجها من المجتمع، عبر النظر إليها بوصفها عورة أيضاً. على سبيل المثال، لم يكن من الممكن مشاهدة طفلةٍ محجّبة في مدارس دمشق الابتدائية في عقدي السبعينات والثمانينات، لكن مع مطلع الألفية الجديدة أصبحت ترى بعض طفلات ما قبل المدرسة محجبات. إن موجة "التَدَيّنْ" أو "التَدْيينْ" التي ضربت المجتمعات العربية ابتداء من نهاية السبعينات، بتشجيع من الأنظمة الشمولية، والتي اتخذت طابعًا طقسيًا، كانت عملًا من إنتاج الهوية الجديدة للمجتمعات المطرودة من السياسة والمفقرة اقتصاديًا. وهي عمليًا، استجابت لمطلبين، مطلب دعاة انغلاق الهوية، بأن العودة إلى الدين وسيلة حماية هويتنا الأصلية المهدّدة. ومن جهة أخرى، كانت وسيلة السلطات لإخراج مزيد من القطاعات الاجتماعية من السياسة وتكريس الاستئثار بالسلطة. وبذلك تحققت مصالح الاحتكار السياسي للسلطة بإشغال قطاعاتٍ واسعةٍ بقضايا الهوية، وأعطت أصحاب الادعاء بالتمسك بالتقاليد الدينية الفرصة للادّعاء بإنجاز دفاعاتٍ مجتمعيةٍ أصلية في قلب هذه المجتمعات حفاظًا على هويتها. 

عمليًا، ما حصل في العقود الأربعة المنصرمة في العالم العربي هو تفاعل أسوأ ما في الحاضر من اختراع تقاليد الانغلاق الهوياتي وربطه بأسوأ ما في تراث الماضي، وبذلك تمت محاصرة المستقبل، قبل أن يأتي. لذلك هناك ضرورة للتحرّر من الأطر والهويات الجماعية، كعامل أساسي للانتقال الكبير من سيطرة الروابط الجماعية التي تحدّد الذات الفردية العالقة وتسجنها في مماثلات جماعية وصلات سيطرة مخفية، والتي تخلق هويات وهمية محكومة بالجماعة ومعادية للفردنة. كان من الممكن المراهنة على الثورات العربية، لإنجاز هذه المهمة، لكنها للأسف فرصة أجهضت.