ازدواجية

ازدواجية

25 يناير 2022
+ الخط -

الازدواجية حالة غالبا ما نصادفها لدى من يسمّونهم العملاء المزدوجين أو الجواسيس المزدوجين، ويطلق على الواحد منهم "عميل مزدوج"، أي أنه يعمل لدى جهازي مخابرات تابعَين لبلدين مختلفين في الوقت نفسه. وعادة ما تكون عاقبة هؤلاء وخيمة، حين ينكشفون، فيتم تعريضهم لأقسى أنواع التعذيب، لكي يتم الحصول على أكبر قدر من المعلومات منهم، وغالبا ما تتم تصفيتهم أو إعادة تجنيدهم لتضليل العدو. وهؤلاء من جانب قيمة الأذى الذي يتسببون فيه لهذا الجهاز أو ذاك فإن كل ما يتعرضون له يعدّ مبررا ومفهوما، خصوصا وأن خدماتهم، على الأغلب، لم تكن بالمجان، بل كانوا يقبضون من كلا الطرفين، ويخدعون على الأقل طرفا واحدا.
ولكن هذه ليست الازدواجية التي نتحدث عنها، وإنما ما يطلق عليها ازدواجية التنظيم الحزبي، وتعني انتماء الشخص في سورية إلى حزبين مختلفين، البعث بالضرورة أحدهما، حيث يكون الشخص قد انتسب إلى الحزب المجيد في المدرسة، لأن الانتماء صوري وإجباري، ثم لم يقدّم استقالته، لأن ذلك قد يلفت إليه الأنظار من جهة، ولأن قناعة لا يعرف سببها تسيطر على عقول أبناء الأحزاب السرّية، بأنهم لن يقعوا في قبضة الأمن، ولن ينكشف سرّهم، ولكن حساب الحقل غالبا ما لا يتوافق مع حساب البيدر. والمصيبة أن المجرم المزدوج يكون، في معظم الأحيان، بمثابة رجل كرسي.. سواء في حزب البعث أو في الحزب الذي يسرق زبائن حزب البعث، ولا يعرف سبب تعامل الأجهزة مع هذه الجريمة كما لو أنها خيانة عظمى. وداهود وابن عمه مثالان ساطعان على الازدواجية الحزبية.
كان داهود في بداية شبابه بعثيا، ولم يكن بعثيا فقط لا غير، بل كان بعثيا متحمسا، على الرغم من أنك إذا سالته: من هو ميشيل عفلق أو أكرم الحوراني يرد من باب المداعبة قائلا:
- حكي معنا عربي خيو.. ما منفهم إنكليزي.
بكل بساطة، كان داهود بعثيا، لأن ابن عمه هايل كان عضو قيادة فرقة القرية. ثم التحق هايل بالخدمة الإجبارية، والتقى هناك بشخص اسمه منصور، أعطاه كتابا عنوانه "البقسماط الأسود". قرأه هايل وأصبح شيوعيا. بالمختصر، دخل الإلزامية بعثيا، وخرج على الاحتياط شيوعيا. ولأن الفرقة الحزبية التي كان هايل عضوا في قيادتها كانت كلها من أقارب هايل، فقد اكتفى الرفاق بالتفّ على شاربي هايل، وفصلوه من الحزب، بعد ما لفقوا له، بالاتفاق معه، تهمة سرقة عشر علب سردين من دكان الغجري، لكي لا يتهمه الأمن بازدواجية التنظيم، عندما يعلم أنه صار شيوعيا. داهود المعجب بهايل أيضا تعرّض للتفّ على شاربيه، وتم فصله من الحزب، بعد تلفيق تهمة مشابهة، لأنه صار شيوعيا من جماعة هايل، مع أنه إذا سألته من يكون لينين وماركس سيردّ: - حكي معنا عربي يا زلمي.. شايفني ألماني؟
التقى هايل فيما بعد بأشخاص ينتمون إلى رابطة العمل، وسرعان ما انتمى إليها. داهود لم ينتظر طويلا، وسرعان ما انتمى على يدي هايل إلى الرابطة. سجن كل منهما ما يقارب عشر سنوات. خرج داهود بعدها محافظا على انتمائه للرابطة، بينما هايل الذي كان مسجونا في مهجع إخوان مسلمين خرج من هناك إخوانيا. ذهب داهود الذي أخلي سبيله قبل هايل بأيام ليبارك لهايل بخروجه من "بيت خالته"، شرب عنده شايا وبارك له وخرج من عنده إخوان، مع أنه إذا سألته مين حسن البنا سيقول لك:
- حكي معنا عربي يا زلمة.. شايفني بعلم بالغيب يعني؟
بعد ستة أشهر تقريبا، سمع داهود إن هايل صار سلفيا، فذهب إليه وعيناه تقدحان شررا وبادره: - الك ولا للديب ابن عمي؟
- خسا الديب.. قال هايل وأضاف بالفصحى، تحسّبا لما بعد الطلب: - إن شاء الله.. وقدرنا عليه.
فقال داهود: - داخل على عرضك.. رسالك على بر يا ابن عمي.
وانفجرت الدموع من عينيه وتابع: - خلينا نعرف على أيا مخدة بدنا نحط راسنا.
داهود هذا وابن عمه هايل أمضيا أكثر من نصف حياتهما في السجون بتهمة ازدواجية التنظيم.