ارتفاع منسوب الاستياء في تونس

20 يوليو 2026

لم يشهد التونسيون منذ ثورتهم المغدورة (2010) انهياراً للخدمات الحياتية مثل الذي يعيشونه منذ أيّام. تزامن هذا مع موجة حرّ غير مسبوقة، يقول خبراء إنّه قلّما عرفت البلاد مثلها منذ عقود. وصلت درجة الحرارة في بعض المناطق الداخلية إلى ما يناهز 50 درجة في الظلّ، ومن دون سابق إنذار انقطع التيّار الكهربائي، وانقطعت المياه، عن جلّ المدن والقرى التونسية أيّاماً، ما بين ثلاث ساعات وثلاثة أيّام. وينشر مدوّنون أخباراً لم تكذّبها السلطات عن تواصل انقطاع المياه في بعض القرى الداخلية مدّةً تجاوزت أسبوعاً، ما اضطر بعضهم إلى الزحف إلى الطرقات العامة وقطع حركة المرور فيها احتجاجاً على هذه الوضعية المتردّية التي لم يشهدوها حتّى في أيّام الثورة، حين فقدت الدولة أعلى مسؤولي جهازها التنفيذي.

يتندّر الناس مذكّرين السلطة بأنّ بلداناً شهدت حروباً طاحنةً وقصفاً متواصلاً للمؤسّسات الخدمية لأشهر، من دون أن تنقطع عن شعوبها المياه والكهرباء 

يتداول بعضهم أنباءً غير مؤكّدة عن وفاة ما يناهز عشرة أشخاص بسبب انقطاع التيّار المفاجئ الذي أوقف آلات طبّية كانوا موصولين بها: آلات تنفّس، وآلات غسل الكلى، وغيرها. تنتشر مثل هذه الأخبار في مناخ غذّته إشاعات تناولت الحالة الصحّية لرئيس الدولة الذي غاب عن الأنظار، ولم يشاهد التونسيون له صورةً أو يقرأوا عن نشاطه خبراً منذ ما يقارب عشرة أيّام.
كانت ردّات الفعل الأولية موجة من مشاعر الاستياء والسخط لدى فئات واسعة من الناس الذين رأوا في بيانات الشركة التونسية للكهرباء والغاز، وهي مؤسّسة عمومية، استهتاراً بمشاعرهم وتصميماً على الإضرار بهم. كانت تصريحات مقتضبة قد أدلى بها المدير العام للشركة تفيد، عموماً، بأنّها اضطرت إلى هذا الإجراء حفاظاً على قدرة الشركة ومواردها، خصوصاً في فترة عرفت فيها البلاد ذروة الحرارة واستهلاك الطاقة. ثمّ أردفت الشركة جملةً من البيانات تنذر فيها السكّان مسبقاً بأوقات قطع الكهرباء عنهم، وشملت تقريباً جلّ المدن، من دون استثناء، ما بين الثالثة والخامسة، علماً أنّ الناس يتحدّثون عن مدد أطول.
ولعلّ الموجة الأكثر سخطاً وجرأةً تجلّت في الفيديوهات التي نشرها في شبكات التواصل الاجتماعي مهنيون عديدون، على غرار أصحاب النزل والمطاعم والمتاجر التي تضرّرت كثيراً في وضع اقتصادي صعب. يعوّل هؤلاء كثيراً على موسم الصيف الذي يرتبط بارتفاع الاستهلاك، وتزيد فيه سلوكات استهلاكية غير مألوفة خلال بقية الفصول: تخرج العائلات لتناول الطعام في المطاعم والسباحة في الشواطئ، فضلاً عن تنظيم حفلات الأعراس وغيرها، وكلّها مناسبات ذات استهلاك مرتفع. ينشر هؤلاء فيديوهات فيها تحدٍّ للسلطات وتعيير لها بعجزها وإخفاقها في ضمان الحدّ الأدنى من الخدمات المعيشية، على غرار الماء والكهرباء. يتندّر الناس مذكّرين السلطة بأنّ بلداناً شهدت حروباً طاحنةً وقصفاً متواصلاً للمؤسّسات الخدمية لأشهر، من دون أن تنقطع عن شعوبها المياه والكهرباء لأيّام عديدة، على خلاف ما وقع في بلدهم. ويذكرون عبارات غدت "محفوظات" يردّدونها لكثرة ما تُتداول على لسان السلطة وإعلامها الذي استحوذت عليه وحوّلته من مرفق عمومي إلى مرفق حكومي. يقول هؤلاء، مثلاً، إنّ انقطاع الماء والكهرباء من مؤشّرات بلوغ البلاد "العلو الشاهق"، وإنّ ما وصلنا إليه ثمرة "فكر جديد"، وإن انقطاع الماء والكهرباء من فعل "تآمر المتآمرين والخونة والمرتزقة".
ما ضاعف مشاعر الاستياء والسخط تلك، شعور الناس بأنّهم تُركوا وحدهم في أزمتهم هذه. لم تُدلِ رئيسة الحكومة أو أيُّ وزير من وزرائها بأيّ تصريح يفسّر للناس أسباب هذا الانقطاع أو يقدّم لهم اعتذاراً عن الأرواح التي فُقدت والخسائر التي سُجّلت. منذ صعود الرئيس قيس سعيّد سنة 2019، أصبحت تصريحات هؤلاء محسوبةً، وقد دفع أحد رؤساء الحكومة الثمن باهظاً حين أدلى بتصريح لم يحصل فيه على إذن مسبق. لقد عوّدهم الرئيس الظهور الإعلامي بعد أيّام من أيّ أزمة مرّوا بها: ندرة مواد التموين، كالحليب والسكّر والشاي والمحروقات، وضحايا مدرسة مدينة المزونة، إلخ. غير أنّ غيابه هذه المرّة طال في مناخ من الشائعات بلغ حدّ الفوضى.

شارع اجتماعي يغلي في صيف قائظ، وثمّة شارع سياسي مرتبك ومنقسم إلى حدّ الإنهاك

خلال أكثر من سبع سنوات من حكم الرئيس سعيّد، قد تكون هذه هي المرّة الأولى التي تبلغ فيها موجة الاستياء ذروتها، وتجد السلطات نفسها عاجزةً عن الدفاع أو حتّى الكلام، خصوصاً أنّه سيبدو من الغباء تحميل المسؤولية "للخونة والمتآمرين الذين يصرّون على التنكيل بالشعب التونسي".
سيبدو سابقاً لأوانه توقّع ما ستؤول إليه الأمور، لكن من الخفّة أيضاً اعتقاد أنّ النظام سيكون عاجزاً عن تجاوز هذه الأزمة. غير أنّ الثابت في هذا كلّه أنّ القاعدة الاجتماعية للحكم تتآكل بسرعة، وأنّ الاستياء قد يتحوّل من حين إلى آخر إلى سخط وغضب لا ندري أيّ الأشكال قد يتّخذها، ونحن على أبواب خريف ساخن. ثمّة شارع اجتماعي يغلي في صيف قائظ، وثمّة شارع سياسي مرتبك ومنقسم إلى حدّ الإنهاك.

7962F3C9-47B8-46B1-8426-3C863C4118CC
المهدي مبروك

وزير الثقافة التونسي عامي 2012 و2013. مواليد 1963. أستاذ جامعي، ألف كتباً، ونشر مقالات بالعربية والفرنسية. ناشط سياسي ونقابي وحقوقي. كان عضواً في الهيئة العليا لتحقيق أَهداف الثورة والعدالة الانتقالية والانتقال الديموقراطي.