اجتماع أميركي فلسطيني نادر

اجتماع أميركي فلسطيني نادر

17 مايو 2021
الصورة

(نبيل عناني)

+ الخط -

عشية اجتماعاته أمس مع وزير الحرب الإسرائيلي، بيني غانتس، ومسؤولين آخرين في حكومة دولة الاحتلال، التقى مساعد وزير الخارجية الأميركية للشؤون الإسرائيلية والفلسطينية، هادي عمرو، مع قائمين على جمعياتٍ أهليةٍ في فلسطين المحتلة في 1948، بطلبٍ منه، لمحاولة فهم أسباب المواجهات التي شهدتها مدن وبلدات عربية في "داخل إسرائيل" بين العرب واليهود، و"لإعداد تقرير عن خطورة هذه الاشتباكات" على ما أفيد. وإذا كان ثمّة مجازفةٌ في القول إن الاجتماع هو الأول من نوعه، بين فاعليات فلسطينية في الداخل وموفد أميركي رفيع ترسله واشنطن لبحث توتر عسكري ساخن في الأراضي المحتلة وقطاع غزة، بالنظر إلى حاجة حسم صفته هذه إلى تحرٍّ أكاديمي، فإن في الوسع، من دون تحرّز، القول إن الاجتماع نادر جدا، نوعا ومضمونا. وقد أفيد بأن النشطاء الذين التقاهم هادي عمرو (لبناني الأصل، متزوج من فلسطينية) أسمعوه أن جماعاتٍ من المستوطنين وزعران اليمين الفاشي الفالت مستمرّة في اعتداءاتها على العرب، وأن نذر وقوع انفجارٍ خطيرٍ واردة، وطالبوا الولايات المتحدة بأن تلحّ على إسرائيل لوقف حربها العدوانية على قطاع غزة، وألا تكتفي بمواقف لفظية مائعة.
ولا يتزيّد واحدُنا إذا ذهب إلى أن هذا الاجتماع دليلٌ مضاف على وحدة الشعب الفلسطيني المتحقّقة مجدّدا، والتي تبدّت مظاهرها غير القليلة في الهبّة الشاملة، والعريضة، في عموم فلسطين، انتصارا للقدس، وإسنادا لأهل غزة، وتأكيدا على جوهرية القضية الفلسطينية بوصفها قضية شعبٍ واحد، وانتسابا لحق واحد، وارتباطا بالمقاومة الباسلة التي تضرب العمق الإسرائيلي، ليعرف المحتلون أن في مقدور هذا الشعب أن يفعل الكثير ردّا على جرائم العدوان اليومية. ومن أبعادٍ ليست خافيةً في هذا المشهد، بدلالاته الكثيفة، أنها عنصريةٌ من الصنف نفسه، متوطنةٌ يجتمع عليها الصهاينة الذين يدأبون على الاعتداءات المتكرّرة في القدس القديمة، وينشطون من أجل مزيدٍ من التهجير والتهويد فيها وفي جوارها، وبحمايةٍ من شرطة الاحتلال وقواته، مع الصهاينة الذين يتلملمون في عصاباتٍ مسلّحةٍ مكشوفةٍ، ويقترفون جرائم الاعتداء على فلسطينيي اللد وكفر كنا وحيفا وغيرها، وأيضا بتغطيةٍ من الأجهزة العسكرية للدولة العبرية، ومع الصهاينة في جيش العدو، ممن ينفذون اعتداءات القذائف الصاروخية التي تقتل الغزّيين، أطفالا ونساء وشيبا وشبانا. وأمام هذه الحقيقة المؤكّدة، فإنها لا تحتاج كلاما كثيرا بديهيةُ أن يجتمع شعب فلسطين على أفق وطني موحد، يقوم جوهره على الدفاع عن وجود الفلسطيني في أرضه، في كل أرضه.
لم يرشح من اجتماعات المُبتعث من الخارجية الأميركية مع المسؤولين الإسرائيليين أمس ما إذا كان قد جيء فيها على "نذر مخاطر" المواجهات بين العرب واليهود، غير أن المتأمل في انتباهة مسؤول أميركي رفيع إلى أمرٍ كهذا قد يذهب، في تفسيرها، إلى أن ثمّة مقادير ظاهرة من الغضب لدى الإدارة الأميركية الراهنة من المسلكيات الفظّة التي تنتهجها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، على غير صعيد، برعاية المستوى السياسي. وإذ ينقل أحد المشاركين الفلسطينيين في الاجتماع عن الموفد هادي عمرو وصفَه نتنياهو بأنه "يخرّب مسيرة السلام"، فإن قارئ كلامٍ كهذا سيأمل من المسؤول الأميركي الرفيع أن ينقل إلى حكومة دولة الاحتلال رسالةً واضحة، أن التخريب الذي ترتكبه هذه الحكومة في غير شـأن لم يعد محتملا. وإذ حافظ الموقف الأميركي، في غضون العدوان اليومي على غزة، على تقليديته، المتعلقة بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، فإن تعبيراتٍ متقدمةً بشأن المعاناة الفلسطينية نطق بها غير مسؤول أميركي في الأثناء.
لقد أكّدت المظاهرة التي نظمتها فاعليات فلسطينيي الداخل في سخنين أول من أمس أن احتجاجات أهل الخط الأخضر لن تتوقف إلا بوقف العدوان الإسرائيلي على غزّة. ولمّا اعتقلت السلطات العسكرية عشراتٍ منهم، واستخدمت الرصاص الحي ضد المتظاهرين في كفر كنّا، فإن الرد الواحد، والذي أعلنه أهل فلسطين على هذا الصلف والعدوان المبيّت، أنه "شعبٌ واحد لا يلين من غزة إلى سخنين"، على ما هتفت المظاهرة الحاشدة. وكيف له أن يكون غير شعبٍ واحد، ورمزيةُ سخنين خالدةٌ في إشعالها هبّة يوم الأرض قبل أزيد من 45 عاما، وهذه فرادة اجتماع هادي عمرو مع نخبةٍ فلسطينيةٍ ناشطةٍ في الناصرة غزيرة الدلالات سياسيا، ووطنيا من قبل ومن بعد.