اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل لترسيم الحدود .. دلالات التوقيت وطريقة الإعلان

06 أكتوبر 2020
الصورة

جندي لبناني وعلم بلاده في قرية مارون الراس الحدودية مع فلسطين (19/11/200/Getty)

+ الخط -

 أعلن رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه برّي، في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2020 عن التوصل إلى اتفاق إطار لإطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل لترسيم الحدود البحرية والبرّية بينهما. ويتضمّن نص الإتفاق الذي وضعته الإدارة الأميركية، ويتولى تنفيذه مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد شينكر، وجود مسارين لترسيم الحدود؛ أحدهما لترسيم الحدود البرّية استنادًا إلى قرار مجلس الأمن رقم 1701 لعام 2006، وثانيهما لترسيم الحدود البحرية. وستؤدي الولايات المتحدة، وفق هذا الإتفاق، دور الوسيط، بناء على طلب الطرفين. وستعقد الجولة الأولى من المفاوضات بين ممثلي لبنان وإسرائيل في مقر الأمم المتحدة في الناقورة في 14 تشرين الأول/ أكتوبر على الأرجح.

ثمّة عدة أمور في الإتفاق، تلفت الإنتباه، هي: أولًا، لا يوجد ربط ملزم بين المسارين، البرّي والبحري. ثانيًا، لا يوجد إطار زمني للمفاوضات. ثالثًا، لا يشير الإتفاق إلى أي مرجعية لمفاوضات ترسيم الحدود البحرية، مثل قانون البحار لعام 1982، ما يجعلها خاضعةً كليًا لموازين القوى والضغوط التي يمكن ممارستها على لبنان. رابعًا، لا يطرح الإتفاق أي بدائل في حال فشلت المفاوضات بين الطرفين، كالإتفاق على التوجه إلى التحكيم الدولي. 

مسار ترسيم الحدود البرية

اعتمد لبنان وإسرائيل، منذ توقيعهما على اتفاق الهدنة في آذار/ مارس 1949، الحدود الدولية بين فلسطين ولبنان، التي رسمتها دولتا الانتداب بريطانيا وفرنسا عام 1923، كخط للحدود بينهما. وبعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان عام 2000، رسم خبراء الأمم المتحدة "الخط الأزرق" بين لبنان وإسرائيل بناءً عليه. لكن هذا الخط استند إلى خريطةٍ بمقياس رسم صغير وضعتها بريطانيا وفرنسا، وتم تثبيتها على الأرض بعلاماتٍ جغرافيةٍ محلية، مثل صخور ووديان وشوارع ومفترقات طرق تغيرت معالمها خلال الإحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. لذلك، برز خلاف بخصوص هذا الخط؛ إذ تعامل لبنان معه كخط انسحاب، وليس خط حدود نهائي، وتحفّظ على 13 نقطة حدودية اخترق فيها الخط الأزرق الحدود اللبنانية لصالح إسرائيل. أما إسرائيل فقد تعاملت معه بوصفه خطَ حدودٍ نهائي. فضلًا عن ذلك، ظلّ الخلاف قائمًا حول مزارع شبعا؛ إذ يعتبرها لبنان جزءًا من أراضيه، في حين تدّعي إسرائيل أن المزارع أراضٍ سوريّة احتلتها إسرائيل في سنة 1967 وضمّتها إليها في سنة 1981. وتشرط إسرائيل استعدادها لبحث موضوع مزارع شبعا باعتراف سوري رسمي بأن مزارع شبعا أرضٌ لبنانية.

ظلّ الخلاف قائمًا حول مزارع شبعا؛ إذ يعتبرها لبنان جزءًا من أراضيه، في حين تدّعي إسرائيل أن المزارع أراضٍ سوريّة احتلتها إسرائيل في 1967 وضمّتها إليها في 1981

ويوجد خلاف بين لبنان وإسرائيل على النقطة الأولى في البر، الفاصلة بين الطرفين على شاطئ البحر في رأس الناقورة؛ فإسرائيل تضع نقطة الحدود الأولى على الشاطئ إلى الشمال من النقطة التي يضعها لبنان. وفي حين تنسجم النقطة الأولى التي وضعها لبنان مع الخرائط البرّية للحدود بين الطرفين، فإن النقطة التي وضعتها إسرائيل لا تستند إلى أي مستند قانوني. ويعد الإتفاق على هذه النقطة غايةً في الأهمية، لأنه بناء عليها سيتم ترسيم الحدود البحرية الإقليمية والمناطق الإقتصادية الخالصة للطرفين.  

ترسيم الحدود البحرية

منذ أقرّت الأمم المتحدة معاهدة قانون البحار عام 1982، أخذت أكثر الدول تستند إليه في حل نزاعاتها على الحدود البحرية، إما بصورة ثنائية أو عبر التحكيم الدولي. على الرغم من ذلك، ظلت إسرائيل ترفض حل نزاعها البحري مع لبنان وفق معاهدة قانون البحار أو باللجوء إلى التحكيم الدولي، وأصرّت بدلًا من ذلك على إجراء مفاوضاتٍ مباشرة بين الطرفين وبوساطة أميركية؛ وذلك لإجبار الجانب اللبناني على الجلوس معها مباشرة، إذا أراد البدء بالتنقيب عن الغاز في مياهه الإقليمية. اللافت أن لبنان وافق على المطلب الإسرائيلي، بدلًا من اللجوء إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، والإحتكام إلى قانون البحار، وهو خيارٌ كان متاحًا تمامًا أمام لبنان. وقد عالجت دراساتٌ عديدة، بما فيها الإسرائيلية التي قام بها خبراء متخصصون في ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، جوانب مختلفة، وخلصت الى أن حجّة إسرائيل القانونية فيما يخص مطالبتها بالقطاع (بلوك) رقم 9 مقابل السواحل اللبنانية ضعيفة، تسقط أمام أي مرافعةٍ قانونيةٍ دولية، في حين أن حجّة لبنان في ترسيم حدودها قوية لأنها تستند إلى قانون البحار.

حجة إسرائيل القانونية في ترسيمها للحدود المختلف عليها مع لبنان ضعيفة قانونيًا

وقد خلصت "مذكرة" ناقشت خيارات إسرائيل بخصوص النزاع على الحدود البحرية مع لبنان إلى وجود ثلاث طرق لحل النزاع: مفاوضات بوساطة طرف ثالث، أو التحكيم الذي تقوم به محكمة أو مؤسسة دولية وفق قانون البحار، أو التوجّه إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي. لكن إسرائيل أصرّت على الخيار الأول؛ أي المفاوضات المباشرة بوساطة طرفٍ ثالث؛ وذلك للأسباب التالية: أولًا، لأن الطرفين هما من يحدّد مرجعية المفاوضات وإطارها بينهما من الناحية الإجرائية، وهذا يحيّد القانون الدولي، ويمنح إسرائيل حق الإعتراض (الفيتو)، ويستطيع أي طرفٍ منهما أن يطرح اقتراحاتٍ لا تتماشى بالضرورة، أو تتناقض حتى، مع القانون الدولي. ثانيًا، تسمح المفاوضات بالتوصل إلى حلول وسط بشأن المنطقة البحرية المختلف عليها، بدلًا من صدور أحكامٍ ليست في مصلحة إسرائيل من جهات قانونية دولية. ولن يكون في الإمكان، في حال المفاوضات، فرض حلٍ على إسرائيل لا تقبل به.

استغلت إسرائيل والولايات المتحدة أوضاع لبنان السياسية والاقتصادية الصعبة، لدفعه إلى الموافقة على الدخول في مسار تفاوضي بشأن ترسيم حدوده البحرية ومنطقته الإقتصادية

حجة إسرائيل القانونية في ترسيمها للحدود المختلف عليها مع لبنان ضعيفة قانونيًا؛ فإسرائيل تعتمد في ترسيم حدود منطقتها الإقتصادية الخالصة مع لبنان على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية المبرمة بين قبرص ولبنان عام 2007، والتي لم يصدّق عليها لبنان حتى الآن، ولم يسلمها للأمم المتحدة، وهي تعد من ثمّ غير معترف بها دوليًا. 

وقدّمت هذه المذكرة عدة توصيات أخرى، دعت فيها إلى الفصل بين النزاعين، البرّي والبحري، وإلى الفصل بين مسألة تحديد نقطة البداية في رأس الناقورة عن مختلف نقاط الإختلاف الأخرى بشأن الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل. وأوصت بأن من الأفضل لإسرائيل التوصل إلى اتفاق مع لبنان بشأن نقطة البداية هذه، وعدم تحويل فضّ النزاع بشأنها لمحكمة أو مؤسسة دولية؛ لأن الموقف اللبناني الذي يستند إلى خرائط ووثائق يعد أقوى من الموقف الإسرائيلي قانونيًا. 

لماذا وافق لبنان على التفاوض؟ 

استغلت إسرائيل والولايات المتحدة أوضاع لبنان السياسية والاقتصادية الصعبة، لدفعه إلى الموافقة على الدخول في مسار تفاوضي بشأن ترسيم حدوده البحرية ومنطقته الإقتصادية الخالصة من دون أي مرجعية أو إطار زمني أو ضماناتٍ للوصول إلى حقوقه التي يكفلها القانون الدولي (قانون البحار في هذه الحالة)، وبعد أن ظل يرفض ذلك لأكثر من 10 سنوات. فلبنان الذي تعرّض خلال الشهور الأخيرة لسلسة أزمات كبرى، بدأت بسقوط حكومة سعد الحريري بعد احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر 2019 وصولًا إلى سقوط حكومة حسان دياب بعد الانفجار الذي هز مرفأ بيروت في آب/ أغسطس الماضي، يعاني ديونًا خارجية تصل إلى نحو 100 مليار دولار، دفعته إلى إعلان عجزه عن تسديد فوائدها. كما تواجه قطاعاته المصرفية والخدماتية خطر الإنهيار الكامل، في ظل العجز عن تشكيل حكومة جديدة. من الواضح أن لبنان يدفع بهذا القرار فاتورة الصراع المحتدم بين زعماء طوائفه وطبقته السياسية الفاشلة، وانهيارها المعنوي والأخلاقي، والأزمة التي يواجهها حزب الله الذي يحمّله خصومه اللبنانيون المسؤولية عن عزلة لبنان العربية والدولية، وضعف موقع إيران وانحسار قدرتها على تقديم الدعم المالي لأنصارها في لبنان بسبب العقوبات الأميركية. 

قرار لبنان اتخذ من منظور مصالح الطبقة السياسية اللبنانية التي تتعرّض لضغوط داخلية وخارجية شديدة، وقد تكون بذلك فتحت الباب واسعًا أمام الإبتزاز الإسرائيلي هذه المرّة.

لقد عزّز ذلك كله من قدرة إسرائيل وأميركا على ابتزاز لبنان، ودفعه إلى تغيير موقفه بشأن التفاوض مباشرة مع إسرائيل. هناك عوامل أخرى أيضًا ربما تكون دفعت باتجاه اتخاذ هذا القرار، حيث قرّر رئيس مجلس النواب، نبيه برّي، فجأة التخلي عن ملف ترسيم الحدود البحرية، وهو الملف الذي ظل يحتكر إدارته أكثر من عقد، خصوصا بعد أن فرضت واشنطن عقوبات على مقرّبين منه، كما لا يستبعد أن ما يسمّى في لبنان "الثنائي الشيعي" يريد أن يتهرّب من مفاوضاتٍ مباشرة مع إسرائيل. لقد نقل الملف إلى عهدة رئيس الجمهورية الذي من مصلحته أن يظهر كأن هامش مناورته أوسع من نطاق السيطرة الإيرانية، كما أنه يحاول، على ما يبدو، إبعاد شبح العقوبات عن صهره ووريثه، جبران باسيل. 

خاتمة

يطرح قبول لبنان الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وبوساطة أميركية، لترسيم الحدود البحرية بينهما مجموعة من الأسئلة الأساسية، أهمها: لماذا وافق لبنان على مسار المفاوضات بدلًا من اللجوء إلى التحكيم الدولي الملزم، أو إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، لتطبيق قانون البحار في نزاعه مع إسرائيل؟ ولماذا لم يشترط لبنان وضع مرجعيةٍ للمفاوضات في عملية ترسيم حدوده البحرية مع إسرائيل؟ ولماذا لم تتم الإشارة إلى بدائل في حال فشلت المفاوضات بين الطرفين، كالإتفاق مثلًا على التحكيم الملزم أو التوجه إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي؟

يبدو واضحًا أن قرار لبنان بهذا الشأن، والذي يعد بمنزلة قبول بالشروط الإسرائيلية، قد اتخذ من منظور مصالح الطبقة السياسية اللبنانية التي تتعرّض لضغوط داخلية وخارجية شديدة، وقد تكون بذلك فتحت الباب واسعًا أمام الإبتزاز الإسرائيلي هذه المرّة.