إيمان مرسال ما بين البحث والكتابة

إيمان مرسال ما بين البحث والكتابة

13 مايو 2021
الصورة

إيمان مرسال في مهرجان للشعر في برلين (12/6/2013/Getty)

+ الخط -

يمثل كتاب "في أثر عنايات الزيات"، للشاعرة المصرية إيمان مرسال، "كتابة" من منطلق "البحث"، أو هو "بحث"، ذهب بها إلى "كتابة". هكذا بدأت الكاتبة رحلة بحثها وحيرتها عن كاتبة شبه مجهولة، "مؤسسيا"، بالمعني السلطوي، وحتى جماهيريا لدى القارئ العادي الذي يتآلف مع ما يقدّم له صبح مساء. كاتبة انتحرت في شتاء سنة 1963، من طبقة البرجوازية المصرية "العليا منها"، ولم يعد يذكرها أحد، على الرغم من أنها، بحكم طبقتها، كانت حديث النخبة المسيطرة والمهيمنة على المشهد الثقافي على أيامها، حيث كانت سيرة ما تكتبه من قصص البدايات قد وصلت إلى مسامع الضابط والكاتب يوسف السباعي، الذي صار وزيرا للثقافة فيما بعد، والصحافي الذي خدم كل الطبقات، وخصوصا طبقة عنايات، وكل السلطات أيضا، أنيس منصور، والكاتب الذي كتب لها مقدمة روايتها بعد انتحارها، مصطفي محمود. وأيضا معروفة للفنانة نادية لطفي، بحكم الصداقة الممتدة من ميعة الصبا حتي ليلة انتحارها. وهذا أيضا لغزٌ آخر، حيث تعوّدت الفنانة نادية لطفي، رحمها الله، أن تعرف كل أسرار المنتحرات، وخصوصا "بنات الطبقة الناصرية"، ابتداء من عنايات حتى سعاد حسني "ابنة الطبقة المتوسطة وفقيرة المنشأ"، حيث وقفت في مطار القاهرة في عمرها السبعيني، ولامت صديقة سعاد في قلب صالة الاستقبال، مع وفد من فنانات النقابات المباركية، وقالت لها "عيب .. سعاد لم تقتل، ولكنها انتحرت"، فهل هذه السيدة، على الرغم من "جدعنتها"، متخصصة في معرفة مسارب المنتحرات ودهاليزهن، وأيضا منظمة التحرير الفلسطينية، وحتى شؤون الأسرى المصريين، والذهاب الي جبهات القتال؟ وأخيرا رحيلها من قلب مستشفيات القوات المسلحة، بعد علاج دام سنوات من دون أي تكاليف.

صحيحٌ أنها (نادية لطفي) كانت طليقة ضابط طيّار، وصحيحٌ أنها دارت عن الكاتبة المهم من أسرار عنايات الزيات، حتى أن الكاتبة نفسها أحسّت أن مديرة البيت مجرّد "عين"، من الابن على أمه. نحن أمام طبخة "وثائقية"، وإنْ ضمّت حسا استشراقيا واضحا من الكاتبة، في مشاهد عديدة يطول ذكرها، إلا أن الطبخة أيضا مطعّمة بالحس المخابراتي أو البوليسي، وإنْ تم في مستواه العائلي النسوي لتلك الطبقة المخملية، وحكاياتها "طبقة ورّاث الجاه" التي تشاهد كل شيء، وتنسى أو تتناسى كل شيء، ما حدا أيضا بالكاتبة، صاحبة البحث المضني، أن تقول، وأنا أيضا وقتي ثمين وأرحل إلى أصقاع المعمورة كلها وراء هموم البحث، وهموم أولادها وتجديدات المنزل .. إلخ، أشياء من قبيل سقط متاع الكتابة، فما دامت الكاتبة تبحث عن مرارة وعلقم، منتحرة من سنة 1963، فمن اللائق أيضا ذكر وقتها الثمين وصعوبة حياتها أيضا.

إذن، نحن منذ البداية أمام لغز "معروف للخاصة جدا"، ومغيّب جدا عند القارئ العادي الذي يستهلك بسهولةٍ كل ما يقدّم له من قصص وحكايات ونوادر، تتحكّم فيها كروش الصحافيين وموائدهم وتحيزاتهم ومجاملاتهم أيضا، ليلا في النوادي أو حتى في رحلة "ناصرية" إلى اليمن السعيد، إلا أننا أمام كتابةٍ فيها توثيق يراعي الدقة أحيانا، كما في معرفة الشقة، وتحديد مكانها بمساعدة البوابين ومصلحة المساحة وبعض المتخصّصين في المقابر المملوكية، أو أرشيف الإنترنت، أو حكاياتها مع الأخت الصغرى، أو السيدة صاحبة الخيول، والتي رأت عنايات مرّتين، أو "ظل الحبيب"، الذي هاجر، .. إلخ.

كلها تأتي من شهادات "نساء المخمل"، وهن مرتكز إيمان مرسال في الكتابة والتوثيق، وهي علّة بالطبع يصعب فهمها أو تحليلها، وخصوصا من "كتّاب الطبقة المتوسطة الدنيا وكاتباتها"، وحتى الفقراء والفقيرات أيضا. وتحليل ذلك بالطبع ليس مكانه هنا، على الرغم من عدم معرفتي بالخلفية النفسية لذلك، وإن كنت أراها، أي هذه الظاهرة، أقرب إلى أنها انتهت من مائة سنة في الغرب، وخصوصا حينما نقرأ لكاتبٍ، مثل هنري ميلر، ولد في سنة 1891 ورحل عن عالمنا في سنة 1980.