إيران ما بعد المونديال
أميركي في تظاهرة أمام المبنى الفيدرالي في ديترويت ضد تهديدات ترامب إيران (7/4/2026 Getty)
هجومٌ هو الأوضح والأعنف على حكومة الاحتلال الإسرائيلي من نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس. فهل يعني هذا أنّ ثمّة انقساماً فعليّاً داخل الإدارة الأميركية بشأن الحرب العدوانية التي تخوضها واشنطن مُتحالفة مع تل أبيب ضدّ إيران؟
قبل التسرّع بالإجابة، ينبغي الأخذ في الاعتبار أنّ انتخابات تجديد نصفي سوف تشهدها الولايات المتحدة بعد مائة يوم تقريباً، وأنّ انتخابات أميركية تشمل موقع الرئيس سوف تُجرى بعد عامين، الأمر الذي يمكن معه تصنيف تصريحات نائب ترامب بوصفها جزءاً من رصّ الصفوف قُبيل الانتخابات التشريعية.
السياق العام في الولايات المتحدة يعكس مزاجاً أميركيًاً مُتصاعداً ضدّ استمرار الحرب العدوانية على إيران، بأغلبية ثلاثة ضدّ واحد من كلّ أربعة مواطنين أميركيين، وكذلك ضدّ ما يراه الشارع الأميركي انصياعاً أو انقياداً من إدارة "ترامب ـ فانس" للرغبة الإسرائيلية في حربٍ بلا نهاية ضدّ إيران، ومحور المقاومة الذي تدعمه، فضلاً عن المخاوف الاقتصادية المُتنامية مع تواصل هذه الحرب من دون استراتيجية واضحة وأهداف مُحدّدة، ما أدى إلى هبوط شعبية ترامب إلى 34%، وهو أدنى مُستوى له في ولايته الثانية (استطلاع رويترز/ إبسوس) قبل ثلاثة أسابيع.
ليس مُهمّاً مَن يقود مَن في هذه الحرب الهمجية على إيران، فبالنسبة للكيان الصهيوني، ترى الغالبية أنّ حكومة بنيامين نتنياهو صارت ألعوبة في يد ترامب، فيما تنعكس المعادلة في أميركا التي يرى قطاع هائل فيها من الرأي العام أنّ هذه حرب إسرائيل التي اقتادت واشنطن إلى التورّط فيها إلى الحدّ الذي لا تعرف معه طريقاً للخروج منها، وفي ذلك يظهر مصطلح "الحرب الأبدية" بكثافة في الدوائر البحثية والإعلامية تعبيراً عن أنّ هذه حربٌ لا يُمكن التراجع عنها.
في تعليق لصحيفة نيويورك تايمز بالأمس، يتساءل ستيفن إيرلانجر تحت عنوان "حرب أميركية أبدية أخرى؟". ويكتب إنّ أحداً لا يبدأ حرباً ويتوقّع أن تستمر إلى الأبد، ومع هذا، دخل الرؤساء الأميركيون مراراً وتكراراً في صراعاتٍ تبدو وكأنّها قد تستمر، على الأقل حتى يقرّر الرئيس التالي، أو الذي يليه، أنّ التكلفة والألم السياسي لا يستحقان العناء، ويجد طريقة لإعلان نوع من النصر والعودة إلى الوطن. وبشأن إيران، ربما يكون الرئيس ترامب قد وقع في الفخ نفسه. ويضيف "لقد قام بحملته الانتخابية مُتعهدًا بإنهاء الحروب، لا ببدئها، وألا يتورّط أبداً في حرب أبدية، ناهيك عن حرب في الشرق الأوسط. ومع هذا، لا تظهر الحرب التي بدأتها إسرائيل والولايات المتحدة أيّ علامات على الانتهاء قريباً. مذكّرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، التي قال ترامب إنها "تحقّق كلّ ما سعينا لتحقيقه" قبل أقل من شهر، مُمزّقة الآن. مضيق هرمز، مرّة أخرى، مُغلق، وكلا الجانبين، مرّة أخرى، يتبادلان إطلاق النار.. ".
مَن الرئيس الأميركي القادم، إذن، الذي سيقرّر البحث عن مخرج من الحرب؟ هنا يحضر نائب ترامب جي دي فانس في شخصية رجل السلام الطيب، عكس دونالد ترامب الذي يقيس منجزاته بعدد قتلاه وحجم ما دمّره ونهبه من ثروات البلاد الواقعة تحت ضرباته العنيفة. ترامب نفسه مارس هذه اللعبة أمام سلفه جو بايدن، عندما بنى حملته الانتخابية على أنّه عدو الحروب والوحيد القادر على إنقاذ العالم من ويلاتها.
يمكن الذهاب والحال كذلك إلى أنّنا بصدد محاولة صناعة نسخة جمهورية من الديمقراطي الشاب باراك أوباما الذي أزاح الجمهوريين المُلوّثة أيديهم بدماء جرائم الحرب الأبدية على العراق وأفغانستان. وبالتالي، الأمر في أحد جوانبه تجهيز جي دي فانس للانتصار على الديمقراطيين في عام 2028. على أنّ الخطير هنا أنّ هذا يعني، في وجه من الوجوه، أنّ ترامب لا يريد أن يخرج من البيت الأبيض قبل الوصول بعدوانه على إيران إلى الحدّ الأقصى من جنون القوّة العسكرية غير المحدودة بأيّ سقف أخلاقي أو قانوني، إن كان ثمّة أحد لا يزال يتذكّر القانون الدولي.
تدرك إيران أنّها، مع قرب انتهاء المونديال في أميركا، على موعد مع ذروة التصعيد الأميركي الإسرائيلي في العدوان "الأبدي" الذي سيبقى قائماً حتى خروج دونالد ترامب من البيت الأبيض، أو من الحياة. أيّهما أقرب!