إيران في 2020 .. تحت القبة ليس شيخاً

24 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

لم يكن عام 2020 جيدا لإيران، فقد بدأ باغتيال جنرالها في الحرس الثوري، قاسم سليماني، وانتصف باستهداف منشآت نووية حسّاسة، وانتهى بمقتل أبرز علماء برنامجها النووي، محسن فخري زاده. كما شهد هذا العام أيضا تشديد العقوبات الأميركية على إيران بشكل غير مسبوق. وقد مر شهر ولم تتضح معالم الرد الإيراني على اغتيال زاده، بعدما توعدت طهران عدة مرات بردود "صاعقة ساحقة ماحقة". وحيث إنها لم تردّ، يمكن تحليل ردود أفعالها على مدار الشهر بشكل أكثر تفصيلا.

أصبحت ردود الأفعال الإيرانية مع كل ضربة تتلقاها مثيرة للسخرية أكثر منها داعية إلى الخوف والحذر، فقد اتسمت ردود الأفعال الإيرانية بأنها مطابقة لردود النظام السوري، والتي يصدرها بعد كل ضربة إسرائيلية يتلقاها، إذ يؤكد دائما أن إسرائيل وراء تلك الضربات، وأنه سيرد "في المكان والزمان المناسبين"! ولم يحدث قط أن جاء هذا المكان وهذا الزمان. وقد تكرر هذا الرد من إيران، عندما قال المتحدث باسم الحكومة الايرانية، إن بلاده "ستحدّد الزمان والمكان" المناسبين للرد على الاغتيال! كما صرح الرئيس الإيراني، حسن روحاني، أن بلاده سترد "في الوقت المناسب"، واصفا العملية بأنها "فخ إسرائيلي" أي أنه يرى عدم الرد ذكاء وحصافة من بلاده، حتى لا تتورّط فيما تريده إسرائيل! كما أطلق روحاني تصريحا آخر لا يقل عبثية، قال فيه إن اغتيال فخري زاده يظهر "يأس الأعداء وشدّة كراهيتهم"، فإذا كانت تلك الضربات دليلا على يأس الأعداء، فماذا سيفعلون بكم إذا كانت روحهم المعنوية عالية يا سيد روحاني؟

أصبحت ردود الأفعال الإيرانية مع كل ضربة تتلقاها مثيرة للسخرية أكثر منها داعية إلى الخوف والحذر

وإلى جانب ذلك النوع من ردود الأفعال "الأسدية"، إن صحت التسمية، كانت هناك ردود أفعال أخرى صادرة من مسؤولين إيرانيين. وقد انقسمت تلك الردود إلى عدة أنواع، يمكن تلخيصها في العناصر التالية: 

أولا: تصريحات بديهية، مثل تصريح المتحدّث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، أبو الفضل عموئي، الذي قال فيه "من الواضح أن هذه العملية الإرهابية كان مخططا لها مسبقًا"! كما أضاف أنها عملية "معقدة ومتشابكة"، وهو تصريح يستحق جائزةً من فرط غبائه، لأن من البديهي أن تكون تلك العملية مخطّطة ومعقدة ومتشابكة.. إلخ، والسؤال هنا: ماذا فعلتم لمواجهة ذلك التخطيط والتعقيد والتشابك؟

اتهام إسرائيل بالوقوف وراء عملية اغتيال العالم النووي بديهي، ولا يحتاج التصريحات العديدة التي صاحبت ذلك الاتهام

ثانيا: اتهام إسرائيل بالوقوف وراء العملية، وهو اتهام بديهي، ولا يحتاج إلى التصريحات العديدة التي صاحبت ذلك الاتهام، لأن إسرائيل نفسها كادت أن تصرّح علنا بمسؤوليتها، عندما استعرض نتنياهو إنجازات حكومته في أسبوع مقتل فخري زاده، وقال بعدها "لا أستطيع قول كل شيء". ويضع هذا الاستهزاء المسؤولين الإيرانيين في مأزق، لأن من الطبيعي أن يتساءل الجميع: ماذا أنتم فاعلون للرد؟ خصوصا أن منظمة الطاقة النووية الإيرانية اتهمت تل أبيب كذلك بالوقوف وراء الانفجار في يوليو/ تموز الماضي موقع نطنز النووي أيضا.

ثالثا: توجيه اتهامات لجهات متعدّدة وعشوائية بالوقوف وراء العملية. من ذلك مثلا تصريح وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، إن اغتيال فخري زاده "مؤامرة سعودية أميركية صهيونية". كما اتهم أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني، "الموساد" ومنظمة مجاهدي خلق، الإيرانية المعارضة، بالتورّط في العملية، أي أننا الآن أمام أربع جهات مختلفة متهمة. لكن مسؤولا آخر أراد أن يترك الاحتمالات مفتوحة! فقال ممثل لجنة الأمن والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إن الموساد متورّط في العملية "مع احتمال ضلوع استخبارات من دول أخرى"! 

رابعا: التبرير، ظهر ذلك عندما حاول الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، في تصريح آخر، تبرير عملية الاغتيال، قائلا إن "المخابرات الإيرانية قدّمت تقارير دقيقة عن احتمال استهدافه، لكن محدّدات أخرى أدّت إلى نجاح الاغتيال". وهنا يكون التساؤل المنطقي: إذا كانت لديكم "معطيات دقيقة" عن الاستهداف، كما تدّعون، فلماذا لم تمنعوا العملية وتجهضوها؟ إذا كانت تلك هي النتيجة، على الرغم من معرفتكم بها، فماذا ستكون النتيجة إذا لم تكونوا تعرفون شيئا؟

خامسا: الادّعاء بعدم التأثر، فقد قال وزير الدفاع، أمير حاتمي، إن الاغتيال لن يوقف مسيرة البرنامج النووي، بل سيسّرع وتيرته، لكن تجربة اغتيال سليماني أثبتت أن إيران تتأثر فعلا برحيل الأشخاص، لأن النظام الإيراني متسلط واستبدادي، وهذه الأنظمة تعتمد على الأشخاص، وليس المؤسسات.

سادسا: توعّد بالانتقام، مثل تأكيد رئيس لجنة الأمن والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، مجتبى ذو النور، الذي قال فيه إن انتقام طهران "سيكون صعباً وشديداً بالشكل الذي يمنع من حدوث أي تجاوزاتٍ مرة أخرى بحق إيران". وهي تصريحاتٌ لا تخدم كثيرا المسؤولين الإيرانيين، لأن رد فعلهم على مقتل قاسم سليماني أظهر مدى هشاشة النظام الإيراني، وارتباكه وضعفه، إذ لم يكن انتقاما مزلزلا كما ادّعوا، بل كان مجرّد استهدافٍ لقاعدة أميركية لم يؤد إلى مقتل أي جندي، فضلا عن الفضيحة التي تورّط فيها النظام بإسقاط طائرة ركاب أوكرانية! كما أن الأسابيع مرت من دون أن يرى أحد هذا الرد.

اكتفت إيران بتوجيه رسالة إلى الأمم المتحدة، طالبت الأمين العام ومجلس الأمن بـ"التنديد بقوة" بعملية اغتيال العالم النووي

سابعا: ردود فعل خائبة، فقد تمخّض الجبل الإيراني فولد فأرا، إذ اكتفت إيران بتوجيه رسالة إلى الأمم المتحدة، طالبت الأمين العام ومجلس الأمن بـ"التنديد بقوة" بعملية الاغتيال. والمضحك أن الرسالة حذّرت من "أي إجراءاتٍ متهوّرة" من الولايات المتحدة وإسرائيل خلال الفترة المتبقية من رئاسة ترامب، فهل تنتظر إيران عملية أخرى حتى ترد؟ وهل هناك إجراء أكثر "تهوّرا" من اغتيال أهم عالم نووي عندكم؟

وأخيرا، اتضح للعالم لجوء النظام الإيراني إلى التنكيل بشعبه للتعويض عن هزيمته، وعجزه عن الرد على أعدائه الخارجيين، عندما أعدم الصحافي، روح الله زم، بتهم عبثية معتادة، يردّدها أي نظام مستبد تجاه معارضيه. ويبدو أن إيران ستنفذ ما توقعه إليوت آبرامز، الممثل الأميركي الخاص لواشنطن بشأن إيران وفنزويلا، من أن طهران لن تنتقم لمقتل زاده قبل تولي الرئيس الأميركي الجديد، بايدن، منصبه، خوفا من عدم إمكانية تخفيف العقوبات بحقها، لأنها تحتاج ذلك بشدة، وهي صورة بائسة للنظام الإيراني، تناقض ما كان يروّجه على مدار العقود الماضية، عندما حاول تصدير فكرةٍ مفادُها بأنها تمتلك قدراتٍ سياسيةٍ وعسكرية كبيرة، وأسلحة جبارة قادرة على مقارعة إسرائيل، بل وحتى أميركا نفسها، وأن على الجميع أن يخشى من غضبها، وأن لديها مفاجآت لا تخطر على بال أحد، إذا مسّها أحدٌ بسوء أو تعرّض لها. لكن ها هي تتلقى الضربة تلو الأخرى، ولا تخرج سوى بتصريحاتٍ مثيرة للضحك، بعد أن أدركت أن أي رد منها سيكلفها الكثير، آملة أن تمر الأيام المتبقية على رئاسة ترامب بسلام، وألا تحدث عملية أخرى تحرجها أكثر وتعرّيها تماما.

يقول مثل شعبي مصري شهير "تحت القبة شيخ" وهو يقال على سبيل الاستهزاء من الأشخاص الذين يدّعون امتلاكهم قدرات ومهارات كبيرة، وهم في حقيقة الأمر لا يتمتعون بأيٍّ من تلك الصفات. ويبدو أن إيران ينطبق عليها هذا المثل بشدة هذا العام، بعدما اتّضحت حقيقة قدراتها واتضح ضعفها وهشاشتها أكثر من أي وقت مضى.