إيران في ورطة المحكمة العراقية العليا

إيران في ورطة المحكمة العراقية العليا

28 يناير 2022
+ الخط -

تتصدّر أنباء المحكمة الاتحادية العراقية العليا وقراراتها المشهد العراقي والرصد الإقليمي لتطورات الوضع في البلاد. ليست مهمتها سهلة إطلاقا، وهي تتعامل مع طلبات طعون سياسية، بشأن نتائج الانتخابات الأخيرة والعمل البرلماني والحكومي من مجموعات غاضبة تملك السلاح في الشارع، وهي قادرة على فرض نفسها إذا لم يؤخَذ قضائيا بما تريد وتقول.

مركز النقاشات السياسية المتفاعلة في العراق هذه المرّة هو قرارات المحكمة العليا، المعلنة أخيرا، والتي خيبت، للمرة الثانية وخلال أسابيع، آمال قوى "الإطار التنسيقي" الذي يجمع الأحزاب والقوى الشيعية المدعومة إيرانيا تحت سقف سياسي جديد. أول قرار اتخذته المحكمة الدستورية كان رد طلب الطعن بنتائج الانتخابات البرلمانية التي جرت في مطلع شهر أكتوبر/ تشرين الأول المنصرم. والثاني رفض دعوى عدم الاعتراف بشرعية الجلسة الأولى للبرلمان العراقي الجديد، وعملية انتخاب هيئة الرئاسة التي جرت في التاسع من يناير/ كانون الثاني الحالي.

الإجماع في الأوساط السياسية والحزبية العراقية أن الرد الميداني السريع الذي حصل بعد ساعات على قرار المحكمة أخيرا كان عبر تنفيذ هجوم صاروخي استهدف منزل رئيس البرلمان، محمد الحلبوسي، في مدينة الكرمة شرقي الأنبار الخاضعة لنفوذ مجموعاتٍ عسكرية محسوبة على التيار الشيعي الجديد كما يقال. ردود الفعل السياسية على الهجوم وتوقيته والجهات التي تقف من ورائه بدأها الرئيس العراقي، برهم صالح، عبر وصف الاعتداء بأنه "عمل إرهابي، وأن توقيته يستهدف استحقاقات وطنية ودستورية" في البلاد. ردّة الفعل الثانية كانت من الجناح المحسوب على تيار الصدر الذي قال إن الهجوم "رسالة ترهيب بشأن سباق تشكيل الحكومة، وتأكيد على مدى خطورة السلاح المنفلت وتهديده العملية السياسية ككل".

خيوط اللعبة تحدّدها طهران في إطار هدف واحد، مصالح إيران العراقية

الورقة الدستورية المتبقية بيد المعارضين لنتائج الانتخابات والتحالفات الحزبية والسياسية الجديدة هي طلب تعريف الكتلة البرلمانية الأكبر التي من حقها تشكيل الحكومة العراقية، وحيث تستعد المحكمة العليا لحسم الموضوع في مطلع الشهر المقبل (فبراير/ شباط)، لكن الزعيم الشيعي، مقتدى الصدر، الفائز الأول في الانتخابات يستعد هو الآخر لإعلان مواصلة تحالفاته السياسية مع الكتل السنية والحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود البارزاني من أجل الحصول على الأغلبية التي تمكّنه من تسمية رئيس الوزراء الجديد، وكما يقتضي العرف أن يكون المرشّح شيعياً. فما الذي سيجري حتى ذلك التاريخ؟ هل يذهب البرلمان الجديد، من دون تريث، إلى جلسة انتخاب رئيس البلاد، حيث يأتي قرار المحكمة العليا خطوة دستورية داعمة لمواصلة عملية اختيار قيادات السلطات الثلاث؟ وهل يعقب ذلك تجميد المواجهة في موضوع رئاسة الوزراء، بانتظار قرار المحكمة العليا حول توصيف الكتلة البرلمانية الأكبر؟ أم أن الصدر سيقبل تسوية سياسية ترعاها إيران، وتشمل إبقاء نوري المالكي بعيدا عن السلطة مقابل تحالف شيعي جديد يجمع التيار الصدري وأحزابا من "الإطار التنسيقي"؟. وقد فتحت قرارات المحكمة الطريق أمام المضي في المرحلة الدستورية الجديدة التي بدأت بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات البرلمانية، ثم التحضير لجلسة انتخاب الرئيس العراقي الجديد، تمهيدا لحسم موضوع الكتلة البرلمانية الأكبر تحت سقف البرلمان، ومن سيكلف بتسمية رئيس الوزراء الجديد. ولكن ما قامت به كان أكبر وأهم من ذلك، فهي قلبت معايير وتوازنات كثيرة، وتسببت بصدمتين كبيرتين للسياسيين التقليديين الذين اعتادوا تقاسم النفوذ وفرض أنفسهم على المشهد، وكأن دستور التحاصص المعلن عام 2005 لا يكفيهم.

أغضب اتساع رقعة التفاهمات بين قيادة الصدر والقوى السنّية الصاعدة والكردية المحسوبة على مسعود البارزاني الجناح الشيعي المحسوب على إيران في العراق

من أين تستمد المحكمة العليا هذه القوة لمواجهة تيارات حزبية وسياسية تتحكّم بكل شاردة وواردة في البلاد، وتقطع الطريق على الأبراج السياسية التي شيدتها، وكان لها دائما الكلمة النهائية في كل شيء؟ ربما من شجاعتها واستقلاليتها وحياديتها في الدفاع عن مواد الدستور في دولة مثل العراق عانت عقودا من تدخل السياسة والسياسيين في كل شيء، وهيمنة لاعبين إقليميين عديدين على لعبة التوازنات الداخلية، ورسم مسار مستقبل العراق وقدر مواطنيه؟ فهل سيكفيها الاحتماء بالنصوص القانونية وتفسيرها لمساعدة العراقيين على استرداد الحلم؟ أم هي ستتسبب باضرام النار في جبهات الداخل السياسي والأمني، من دون أن تشعر خصوصا بعد قرارها الثالث المنتظر خلال أيام؟ قد لا تعني هذه المسألة المحكمة العليا كثيرا، لكن الامتحان الأصعب في تطورات المشهد العراقي يعني إيران قبل غيرها، كونها تعتبر نفسها اللاعب الإقليمي الأول المؤثر في توازنات الداخل العراقي الحزبية والسياسية والدينية. لا فرق بين قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، الجنرال قاسم سليماني، وخلفه الجنرال إسماعيل قاآني، لأن خيوط اللعبة تحدّدها طهران في إطار هدف واحد، مصالح إيران العراقية. وإسراع القيادة الإيرانية في إرسال قاآني للاجتماع بالقوى الشيعية العراقية التي انقسمت إلى نصفين اليوم في التعامل مع المشهد السياسي أبعد من عملية محاولة قراءة موقف أو جس نبض أو وساطة خير. هي لقاءات تحذير مباشر بعدم تجاوز الخطوط الحمراء التي تتعارض مع مصالح طهران في العراق أو المساس بها، لأنها ستكون مقدّمة لاستهداف حسابات إيران ونفوذها إقليميا، وتحديدا في الدوائر، الخليجية واللبنانية والسورية واليمنية. وستساعدنا معركة انتخابات رئاسة الجمهورية العراقية على استشفاف معالم المرحلة السياسية المقبلة. هل تتفاهم القوى الكردية الرئيسية فيما بينها على تسمية الرئيس المقبل بدعم الصدر أم أن مواجهة ستحدُث بين برهم صالح وهوشيار زيباري، تكرّس التوازنات والاصطفافات الحزبية والسياسية القائمة في البلاد؟ مواقف الأحزاب والقوى العراقية المحسوبة على إيران حيال الصدر والحلبوسي ومسعود البارزاني حلفاء اليوم ستذهب في منحى تصاعدي أكبر، عندما تتضح الأمور أكثر، بعد الاقتراب من تسمية رئيس الوزراء المكلف، وهو الامتحان الأصعب للعراق والعراقيين ربما بين الخضوع لقرار المحكمة الدستورية واحترامه أو الذهاب وراء خيار التصعيد السياسي والأمني، خصوصا إذا ما حسمت المحكمة الدستورية المسألة لصالح الصدر، وحصل على ما يريده.

مقتدى الصدر براغماتي، ولن يفرّط بعلاقاته مع إيران، خصوصا إذا ما أعطته الحصة الحكومية التي يريدها

المهم الآن معرفة كيف ستكون ردود فعل الصدر ومواقفه في المرحلة المقبلة. هل سيدخل في تفاهماتٍ جديدة مع طهران، تبقيها في صدارة المشهد مقابل ضبط المحسوبين عليها، أم أن طهران ستعطيه فرصة زمنية قصيرة، ثم تتبنّى الدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة، تعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل أعوام؟ الإجابة هي أيضا عند اللاعبين الإقليميين الذين بدأوا يعلنون مواقفهم الداعمة للتغيير، وفتح الطريق أمام مرحلة سياسية جديدة في العراق. هل سيدخلون في مواجهةٍ مع طهران، أم أنهم سيلتحقون بخطة تفاهماتٍ وتسوياتٍ على الطريقة اللبنانية تبقي الأمور بين المعلق والمطلق؟

أغضب اتساع رقعة التفاهمات بين قيادة الصدر والقوى السنّية الصاعدة والكردية المحسوبة على مسعود البارزاني الجناح الشيعي المحسوب على إيران في العراق. وجاء إرسال قاآني إلى بغداد بهدف المساعدة على حل الأزمة السياسية القائمة بين القوى الشيعية هناك، لكن التحرّكين، التركي والخليجي، في الوقوف إلى جانب العراق يوصف بأنه تدخل "سنّي" في شؤون البلاد وخيار دعم لطرفٍ على حساب طرف آخر؟

مقتدى الصدر براغماتي، ولن يفرّط بعلاقاته مع إيران، خصوصا إذا ما أعطته الحصة الحكومية التي يريدها. والأزمة "الشيعية الشيعية" في العراق ظرفية. ولن تسمح إيران باستمرارها أكثر من ذلك، فهدفها هناك سياسي اقتصادي استراتيجي بطابع إقليمي، قد يكون أبعد مما يقال عن الخيارات المذهبية.