إيران دولة انتحارية

10 يوليو 2026

تُربك إيران اقتصاديات دول الخليج والإقليم، عندما تؤزّم العبور والمرور في مضيق هرمز، وتتجرّأ وتضرب ناقلات نفط وغاز للسعودية وقطر وبريطانيا، وعندما تصعّد التهديدات، وترفع لغة الغضب والوعيد. ولكنها أيضاً، في الأثناء، تربك المشتغلين بالتحليلات السياسية والتعليقات الصحافية، ليس لأنها تعيدهم، بعد أشواطٍ من الكلام في فسحة توتّر منخفض، وأوضاعٍ تحت السيطرة، بعد توقيع مذكّرة التفاهم إياها قبل ثلاثة أسابيع، إلى الحديث عن تداعياتٍ كبرى لموجةٍ جديدةٍ من العمليات العسكرية النشطة، والمتبادلة، وتأخذُهم إلى سيناريوهاتٍ يرجّحونها وأخرى يستبعدونها، ليس لهذا، وإنما لأن الذي أحدثته طهران الثلاثاء الماضي أطاح ما ظلّوا يقولونه، واستقرّ قناعاتٍ فيهم إلى حدّ كبير، عن حاجة طرفي التنازع العتيد، واشنطن وطهران، مصلحياً، إلى تجنّب الخيارات العسكرية، لعدم قدرة هذا الرهان على حسم شيء، واقتصار نواتجه على التدمير والتعطيل والتخريب. وبسببٍ من هذا وذاك، راح الطرفان، بتيسيرٍ من الوسيطيْن، القطري والباكستاني، إلى منتجع سويسري، إلى اتفاق مبادئ، قيل إن المكاسب الإيرانية فيه ظاهرة أو ساطعة، وهذا صحيح، وإن تحتاج بنود الاتفاق إلى أساطين في شرح الأحاجي لفهمهما، أو أقله لمعرفة ما على واشنطن وطهران أن تفعلا وأن لا تفعلا.

دعْ عنك أن إيران تشرح قضية الترتيبات الأمنية في مضيق هرمز بكيفيّةٍ لا تتفق مع ما تقتضيه قوانين البحار والملاحة الدولية، فالقصّة ليست هنا، وإنما في أن أهل القرار في هذا البلد اكتشفوا المضيق مع ضربة أول صاروخ على الداخل الإيراني في 28 فبراير/ شباط الماضي. كأنهم وجدوا فيه السلاح الذين يوجعون به أميركا وغير أميركا، ما دامت صواريخها لا تستطيع الوصول إلى واشنطن أو نيويورك، فهذا هرمز في الوُسع أن لا يكون ورقةً في يديها فقط، بل أيضاً أن يصير الأوْقع من البرنامج النووي الذي لم يبالغ من عدّوه عبئاً على إيران نفسها، وهي التي وصلت إلى نسبة من تخصيب اليورانيوم تقرّبها من صناعة القنبلة النووية، لكنها لم تفعل، إمّا لتحريم المرشد الراحل، علي خامنئي، في 2003، استخدام أسلحة الدمار الشامل (هل الفتوى تحرّم امتلاكها؟)، أو لنقصان القدرات التقنية والبشرية والفنية في هذا المسار، أو لغير سببٍ وسبب... كأن هرمز لم يكن موجوداً قبل تلك الصواريخ الأميركية والإسرائيلية على تبريز ومشهد وطهران وغيرها. كأن حاجةً استجدّت لاختراعه. ومن العجائب أن طواقم ترامب ونتنياهو، لمّا كانوا يهيئون للحرب (ستُسقط النظام في طهران بحسب أوهامهم) لم يدر في مداركهم أن إيران ستخترع هرمز الذي صيّرته لها بمثابة قناة السويس لمصر. ولم "تتنبّأ" المخابرات المركزية الأميركية بهذا الاختراع.

إذن، ليست صحيحةً تحليلاتُ من ذهبوا إلى أن إيران ستجهد، بسبب أوضاعها على غير صعيد، اقتصادي وعسكري وأمني، لتجنّب أي جولاتٍ حربية، يبادر إليها ترامب، وفي أفهام صنّاع القرار فيها (كما غيرُهم) أن الأخير مهجوسٌ بأسواق النفط وأسعاره واستقرارها، ما يحتاجُ هدنةً طويلة مريحة. ليس هذا صحيحاً، لسبب واحدٍ وحيد، نغفل عنه، أن إيران في طوْرها الراهن، دولة انتحارية. القرار فيها أن على ترامب أن يعرف أن القرار في مضيق هرمز إيراني، وإذا كان لا يريد أن يفهم فهذا شأنُه، وإذا أراد الحرب فلتُكن... ببساطةٍ، لا يعبؤون هناك، وهم من مختلف منظومات السلطة، بأن ناقلة الغاز هذه التي جرى استهدافها قطريةٌ، فليس لهذا اعتبار، فالمهم، من قبلُ ومن بعد، أن من غير المسموح لها أن تعبُر إلا بالترتيبات والاشتراطات الإيرانية في المضيق، ومن ممرٍّ إيراني فيه وليس غيره.

انعدام الثقة بين طهران وواشنطن معلومٌ للكافة. ولكن الأهم أن أهل الحكم في طهران موقنون أن التأزيم مع الولايات المتحدة، بالتصعيد الكلامي، وبأخذ مضيق هرمز رهينةً من دون احتساب أي اعتباراتٍ لهذا البلد الخليجي العربي أو ذاك، هو الخيار الذي ما بعده خيار. وهم ظفروا بمذكّرة تفاهم يحصُدون فيها سياسيّاً ما ربما فاق تقديرات بعضهم، وفي مقدورهم أن يظفروا بتنزيل إدارة ترامب من خُيلائها، وبأن تجعل هذا الرجل وصديقه نتنياهو في جلستهما بعد أيام في واشنطن يتسلّيان بما يتسلّيان به من كلام، فأيّاً تكن الأكلاف والأثمان والنواتج والتداعيات، ثمّة الروح الانتحارية، الاستشهادية في تسميةٍ أخرى، هناك، في هرمز... وفي غيره ربما إن لزم الحال.

معن البياري
معن البياري
رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن، مواليد 1965.