إيران المارقة وأميركا الغارقة

10 اغسطس 2026

الآن، وعلى بُعد ستّة أشهر توشك على الاكتمال من العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، يبدو دونالد ترامب مثل شخص يواجه الغرق في مياه الخليج، ويبحث عن خروج من هذا المأزق الذي انحشر فيه وحشر معه العالم، حين ساقته أوهامُه وضلالاتُه إلى التصرّف وكأنّه رئيس العالم.
في جديد تحديثات المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، وبحسب الإعلام الأميركي، تقلّصت أهداف ترامب من حربه العدوانية المجنونة إلى الحصول على موافقة طهران على فتح مضيق هرمز بشكل كامل، بناءً على نتائج المفاوضات بينها وبين مسقط التي تدور حول محور السيادة والإدارة الثنائيتَين للمضيق الذي بلغ هوس الرئيس الأميركي بالهيمنة عليه حدّ تسميته، في بدايات العدوان، "مضيق ترامب"، فيما تتعدّد التقارير أنّ الإدارة الأميركية بصدد رفع الحصار نهائياً عن الموانئ الإيرانية، والتفكير في الانسحاب عسكرياً من منطقة الصراع، في مقابل فتح "هرمز"، وما تصفه "وول ستريت جورنال" بكبح جماح البرنامج النووي الإيراني.
كان ترامب يحلم في بدايات هجومه الهمجي، المنطلق من قيم غزاة العصور المظلمة وقراصنتها، بتحقيق "فتح إيران" على نحو ما فعل في فنزويلا، والآن صار منتهى أحلامه "فتح" مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية، وهو الذي كان مفتوحاً أصلاً قبل الحرب، ولا يمثّل مشكلةً للعالم، حتّى أدرك الإيرانيون أنّه يُستخدم عسكرياً في العدوان عليهم، فقرّروا وضع أيديهم عليه.
كان خطاب دونالد ترامب وشلة الترامبيين العرب من المحلّلين الاستراتيجيين، الذين نبتوا مثل الفطر في الفضائيات، يمضغ طوال الوقت علكة "تعديل السلوك الإيراني"، والهدف، بالطبع، قلب المعادلة، في محاولة لا تهدأ لإظهار إيران بوصفها الدولة المارقة التي تشكّل خطراً على نفسها وعلى جيرانها وعلى الشرق الأوسط والعالم، وهي السردية التي قفزت على حقيقة الصراع وجوهره، حتّى كادت تختفي معها جذور الأزمة، وهي أنّ الحريق بدأ بعدوان أميركي صهيوني مشترك على القوّة الإقليمية الوحيدة التي تقف عقبةً أمام غطرسة الحلم بشرق أوسط يخلو من كلّ ما يزعج إسرائيل.
لا تنفي هذه الحقيقة واقعاً آخر يقول إنّ ردّة الفعل الإيرانية على الجريمة الأميركية عرفت، في جانب منها، طوراً منفلتاً ومتهوّراً في قصف جيرانها من الدول العربية، بحجّة وجود قواعد عسكرية أميركية على أراضيها، واستخدام بعض هذه القواعد في توجيه ضربات لها، بحسب التبرير الإيراني المتكرّر في سياق الردّ على الغضب العربي من الاعتداءات التي طاولت مدناً خليجية. غير أنّنا، في المحصّلة، أمام حريق أشعله التحالف الأميركي الإسرائيلي في المنطقة كلّها.
لكن ذلك كلّه لا يغيّر من أنّنا نقف أمام لحظة، وبحسب المُعلَن من المواقف، تقول إنّ فرضية أنّ واشنطن تأمر وعلى الجميع أن يخضعوا وينفّذوا قد سقطت، أو على الأقلّ تضعضعت. إذ باتت طهران هي التي تشترط تغيير السلوك الأميركي أو تعديله، قبل أن توافق على فتح المضيق بالكامل. وعلى الرغم من هذا الوضوح في المواقف على أرض الواقع، لا في هلاوس غطرسة القدرة الأميركية المطلقة، لا تزال العقلية التحليلية العربية مستسلمةً للغرق في طائفيتها، وتردّد الأوهام نفسها عن الصراع المحتدم بين مكوّنات النظام الإيراني، وتعيد وتزيد في التناقض بين السياسيين والعسكريين، ما يجعل طهران غير قادرة على اتخاذ القرارات المصيرية.
لا يختلف هذا الوهم عن هلوسة دونالد ترامب التي بدّدتها حقائق الأشهر الستّة من المواجهة. وفي ذلك يدرك أيّ تلميذ علوم سياسية مبتدئ أنّ أدنى قدر من الصراع أو تناقض الغايات والوسائل في دولة تواجه عدواناً عسكرياً شاملاً من أقوى آلة عسكرية في العالم، فضلاً عن انسلاخ هذه الآلة من أيّ اعتبارات قانونية أو أخلاقية، كان كافياً لسقوط هذه الدولة وانهيارها وتفكّكها مع أوّل ضربة عسكرية. لكن شيئاً من ذلك لم يقع في إيران، على الرغم من اغتيال رأس نظامها وقيادات الصفَّين الأوّل والثاني في هذا النظام منذ اليوم الأوّل لشنّ الحرب العدوانية.
بعد مرور الشهر الأوّل من الحرب، وفي أواخر مارس/ آذار الماضي، قلتُ إنّ إيران، بصمودها الأسطوري، أهدت العالم مشروع ثورة على الغطرسة الإمبريالية وجنون القوّة الوحيدة المغرورة، ووحشية صعاليك الصفقات القذرة، وذلك حين شهدت أميركا واحدةً من أضخم التظاهرات الشعبية في التاريخ، غطّت مختلف المدن والولايات الأميركية بمسيرات قوامها أكثر من 15 مليون شخص، صنعوا أكثر من ثلاثة آلاف تجمّع في سائر أنحاء الولايات المتحدة ضدّ دونالد ترامب، يهتفون "لا للملوك"، في أبلغ رسالة تحدٍّ لذلك المهووس بالتسلّط على الكوكب، ورفضاً للعدوان الذي تشنّه بلادهم على إيران، من أجل عيون بنيامين نتنياهو.
في هذه اللحظة، وعلى بُعد 170 يوماً من الحرب، تبدو الصورة على النحو التالي: دولة إيرانية ذات نظام سياسي موحّد على هدف واحد لم يتغيّر، وهو الصمود والدفاع عن الكرامة والسيادة، ويدير المعركة على المستويين العسكري والسياسي بمهارة فائقة، في مقابل إمبراطورية متغطرسة يديرها شخص واحد يبدّل في مواقفه وأهدافه وخطابه بأكثر ممّا يغيّر ملابسه، ويتخبّط في تناقضاته وكأنّه مصاب بلوثة تظهره على هذا النحو من التفاهة، أو كما قال عنه الصحافي الأسترالي المخضرم، الذي غطّى حرب فيتنام، مايك كارلتون، وهو يعلّق على البيان الذي قصد به ترامب توريط دول الخليج في الحرب: "إنه مجنون... الولايات المتحدة، وبالتالي الكوكب بأكمله، في قبضة مختلّ عقلياً".

وائل قنديل (العربي الجديد)
وائل قنديل
كاتب صحافي مصري من أسرة "العربي الجديد" عروبي الهوية يؤمن بأنّ فلسطين قضية القضايا وأنّ الربيع العربي كان ولا يزال وسيبقى أروع ما أنجزته شعوب الأمة