إنه عام جديد؟

02 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

اختار البشر على كوكب الأرض تنظيم حيواتهم وفقاً لروزنامة سنوية، تختلف بين شعبٍ وآخر ودين وآخر، لكنها تتوافق على مبدأ واحد: "الجميع يأمل خيراً بالعام الجديد". منهم من يطلق النار "ابتهاجاً"، وهي من أسوأ العادات المجتمعية، ومنهم من يحتفل بحافز "الخلاص من العام الراحل". الجميع تقريباً، يضع الخطط المنوي تحقيقها في العام الجديد، بعضٌ يريد ممارسة الرياضة وبعض آخر وقف التدخين وصولاً إلى شراء منزل أو بدء عمل جديد، وغيره. ذلك كله جميل ومنطقي، قياساً على تراكمات كل عام، خصوصاً السلبية منها، وتحديداً في عام 2020، الذي تشاركت فيه البشرية وباء كورونا وتداعياته المدمّرة.

ولكن، حين نعود إلى الجذور، نتذكّر أن الانسان هو من وضع الروزنامات، وفقاً لمسار كل شعب ومجتمع، بناء على الحركة الطبيعية، من شروق الشمس ومغيبها وحراك القمر وتتالي الفصول. بالتالي، ستختلف الروزنامات المسيحية عن الإسلامية عن اليهودية. وكلهم سيختلفون عن روزنامات شعوب المايا والإنكا في الأميركيتين، والتقاويم الصينية والكورية والفييتنامية والهندية وغيرها. وبعد أن حاول الإنسان التماشي مع هذه الروزنامات، لتنظيم أعماله، ولتأكيد تطوّر الشعوب، بات أسيراً لها، أي أسير الحدود التي صنعها. ولم تعد تلك الروزنامات مجرّد دفترٍ لتدوين جدول أعمال ما، بل أضحت سبباً للضغط النفسي والمعنوي، والذي تراكم بشكل كبير في العقود الأخيرة، تحديداً بعد الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945). لا يشبه طيّ صفحة عامٍ ماضٍ وبدء آخر جديد، بالانتقال من منزل إلى آخر مثلاً، حسبما تُظهر الاحتفالات والنوايا المعلنة بشأن كل عام، بل يكرّس عملياً ظاهرة الغرق في الحدود التي صنعناها، والتي ندفع أنفسنا بشكل مبالغ إلى الالتزام بها، بما يزعزع استقرارنا النفسي. والاستقرار هو أهم جزء من جزئيات تكويننا البشري، ولا يحتاج إلى الضغط الدائم عليه كي لا يُدمّرنا. 

في الواقع، لا نحتاج إلى عامٍ جديد كي نقرّر ما نريد. نستطيع فعل ما نشاء في كل لحظة. نستطيع التوقف عن التدخين في أي وقتٍ، ويُمكن لنا أن نخلد إلى النوم باكراً ليلة رأس السنة، والسهر في يومٍ آخر، نستطيع البدء بممارسة الرياضة فوراً. يحقّ لنا التمرّد على تقاليد رسّخت نفسها أسسا للمرحلة الانتقالية من عامٍ إلى آخر. يحقّ لنا هذا، لأن الحرية ليست مقتصرةً على مواضيع دون أخرى، ولأن الإنسان لم يعرف نفسه بالكامل بعد، على الرغم من أن الفيلسوف الإغريقي، سقراط، شدّد على ضرورة إدراك الذات منذ أكثر من 2500 عام.

ولأن الحدود النفسية المصطنعة غالباً ما تكون بالغة القسوة، برز دور المتنبئين والعرّافين، والذين يحاولون دائماً استغلال هذه المحطة من الروزنامة، وممارسة عملية غسل دماغ دائم على الشعوب، بمشاركة وسائل إعلامية وإعلانية. فكّروا بالتالي: لو قيّض لكم الحصول على المعلومات نفسها التي يحصل عليها المتنبئون والعرّافون، وتحليلها، لكنتم قدّمتم توقعاتٍ أفضل منهم. لأن ما يقوله هؤلاء مستند إلى جملة عوامل، منها متابعتهم الدائمة الأخبار العالمية يومياً، ومنها دراستهم تاريخ وجغرافيا وعلم اجتماع والنظام السياسي في كل بلد أو منطقة إقليمية، ومنها حاجتهم إلى كسب المال من أشخاص أثرياء. في الواقع، إن بعضا من هؤلاء العرّافين والمتنبئين أذكياء بما فيه الكفاية لمراكمة المعلومات والمعرفة، لكنهم عملياً سيسقطون أمام أي نقاش طبيعي بينهم وبين آخرين، وهو الأمر الذي لن يحصل، لأن جزءا من دورهم هو إقناع الناس بجدواهم من جهة، ولأن بعض وسائل الإعلام والإعلان مستفيدة منهم من جهة أخرى. إذاً، التنبؤ في ليلة رأس السنة عادة استهلاكية رأسمالية، تحتاج إلى قلعها من الجذور.

لا تحتاجون إلى نهاية عام وبدء آخر لتقرّروا ما تريدون فعله. لا تحتاجون أصلاً سوى إلى اختيار الوقت المناسب لكم للقيام بأي خطوة. سيطروا على الروزنامات، ولا تدعوها تسيطر عليكم.