إنهم يكرهون النساء
(فاتح المدرّس)
ثمّة قطاع واسع من الرجال الأشدّاء الأشاوس ممّن لديهم يقين لا يدانيه شكّ بأنّهم صنف أعلى وأنقى وأرفع من جنس النساء. وبناءً على هذا الوهم والضلالة، يمارسون في حياتهم منطقاً ذكورياً متطرّفاً يتيح لهم فرض السيطرة والوصاية على المرأة بذريعة حمايتها من الخطر، لأنّها بالنسبة إليهم مخلوق هشّ، أخرق، ضعيف عضلي، مسكين، في حاجة إلى من يمسك يده حتّى يقطع الشارع. يستفزهم، بطبيعة الحال، تفوّق المرأة وتحقيقها نفسها وتميّزها في كلّ الحقول، ويؤذي نرجسيتهم حضورها في الحياة العامة ندّاً لا مجال للاستهانة بقدراته ومهاراته. ويُصنّف أصحاب هذه العقليات الفذّة، بحسب علماء الأنثروبولوجيا، مصابين بـ"الميسوجينية"، وهي حالة اجتماعية ونفسية تتمثّل في ذهنية تقوم على ازدراء النساء وتحقيرهن وكراهيتهن.
نعم، بعضهم يكرهونهن مجّاناً (هيك من الباب للطاقة)، في نكران مخجل لكفاح النساء عاملات مجتهدات ومساهمات، وفي أحيان كثيرة منفردات، في تأمين قوت العائلة بعرقهن وجهدهن، إضافة إلى دورهن في العناية بالبيت وتنشئة الأولاد. وفي محاولة مكشوفة لتهميش المرأة والحجر عليها وعزلها عن الفضاء العام، يعمد هؤلاء إلى التقليل من شأنها عبر سلوكات عدائية بائسة تستهدف ترهيب النساء بالعادات والأعراف والفهم المغلوط للنصوص الدينية.
ويعزو اختصاصيون أنثروبولوجيون أسباب "الميسوجينية" إلى التنشئة الاجتماعية الخاطئة والثقافة الذكورية المتطرّفة، ويشرحون صفات الرجل الكاره للنساء، الذي يلجأ إلى فرض الهيمنة والشعور باللذّة والانتصار عند انكسار المرأة، ويرى أنّ وظيفتها بيولوجية مقتصرة على الإنجاب والقيام بشؤون المنزل. ويرون أنّ هذه الحالة الذكورية تعود إلى مزيج من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية التي تميل إلى ترسيخ المعايير والمعتقدات الاجتماعية التي تفضّل الذكر على الأنثى، وترسّخ الصور النمطية التي تقلّل من دور المرأة ومن قدراتها العقلية والعاطفية.
ولا تقتصر هذه الصورة النمطية على عالمنا الثالث، بل إنّ فلاسفة غربيين كباراً عبّروا عن كراهية جلية للنساء. فقد اختزل شوبنهاور المرأة في أدوار محدّدة، ونظر إليها أحطّ شأناً لأنّها أقلّ عقلانية، واعتبرها على المستوى الفكري أقرب إلى الطفل من حيث التفكير والتصرّف، مؤكّداً في طروحاته أنّ الإنسان الحقيقي هو الرجل حصراً. وقال نيتشه: المرأة أكثر بربريةً، وهي مخادعة بطبيعتها، وعندما تذهب إليها لا تنسَ إحضار السوط.
وقد خرج علينا في الأردن نائب سابق بمنشور استفزّ فيه قطاعات كبيرة من النساء على اختلاف توجّهاتهن الفكرية، مدّعياً الحرص على الأخلاق العامة، معترضاً على وجود النساء في مباريات كرة القدم، مؤكّداً أنّ مكان المرأة الوحيد بيتها تخدم زوجها، وقد كفاها الله شرّ الحياة، معتبراً كلّ من تخرج إلى الأماكن العامة جاريةً تُباع وتُشترى.
وقد وافقه كثيرون وكثيرات، وخالفه عدد هائل من النساء والرجال، تعرّضوا لاتهامات صريحة وواضحة بالدياثة وقلة الشرف. وفي منشور توضيحي، قال بالحرف إنّه معتزّ برجعيته وتخلّفه، واستخدم في وصف النسويات تعابير فجّة من شأنها أن تعرّضه للمساءلة القانونية.
المفزع ردّات فعل نساء من ذوات المنطق الذكوري، وهن كثر، دافعن عن خطابه المسيء، وحاولن إيجاد مبرّرات لألفاظه غير المقبولة، ولم يجدن غضاضةً في توصيف بنات جنسهن المخالفات في التوجّه بأقذع الأوصاف وأحطّ الشتائم، فقط لأنهن انتصرن لحقّ المرأة في الكرامة والتعبير والوجود من دون تمييز.
لا يمكن أن نشهد نهوضاً حقيقياً في حال المرأة العربية ما دامت تصدّق أنّها ناقصة الأهلية، وأنّها أقلّ قيمةً من الرجل، وأنّها لا تستحقّ التقدير والاعتراف والاحترام إلا إذا كانت ربّة منزل لا تبارح بيتها من دون إذن، ولن تكون لها أيّ قيمة إلا إذا كانت كريمة أحدهم، أو عقيلته، أو حرمه، أو والدته، فقط لا غير.