إنما المغرب والجزائر إخوة

إنما المغرب والجزائر إخوة

26 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

في وقتٍ أصبح فيه الكاذب يصدق والصادق يكذب، وفي زمن أضحى فيه يُؤتمن الخائن ويخَوّن الأمين، من السهل على أي امرئ السباحة في اتجاه التيار نفسه، ولو كان تيار عداوة وبغضاء، وتيار حقد وشحناء، وتيار خصومة وعداء، فيتسابق المتزلّفون إلى البكاء، والفصحاء إلى الهجاء، والمتملقون إلى التغني والغناء، وهذا ما رأيناه في الأزمة الخليجية، حتى انكشف غمّها فأسقط في أيدي هؤلاء، لكنهم بقوا ممسكين بمعاول الكسر والهدم ، فهي أسهل من العمارة والبناء. وهذا ما نراه اليوم مع قرار الجمهورية الجزائرية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المملكة المغربية، حيث هبّ كثيرون إلى تأجيج نار الخصومة، والمساهمة في تأزيم الوضع بين الإخوة الأشقاء. وهنا لا نتكلم عن العوام والرعاع، فهذا شأنهم منذ بدء تاريخ البشرية، وإنما الحديث عمّن هم في مراكزَ تجعل صوتهم عاليا يُسمع، ومواقفهم صادحة تُتبع، خصوصا من بين المثقفين والإعلاميين.

لن يعلق الكاتب هنا على الأسباب والدواعي التي دفعت الجزائر إلى التصعيد، لأن الذي يبحث عن الخصومة لن يعدم الأسباب لافتعالها، ولن يحار في إيجاد الذرائع لاختلاقها. ويكفي الرجوع إلى التراث الإنساني وإلى التاريخ لنأخذ منهما العبر، فقد استعمرت الجزائر قرنا وثلاثين سنة بسبب حادثة المروحة، واستعمرت مصر بسبب حادثة حمار الإسكندرية. هذا، كي يعرف المطبّلون لقرار القطيعة أن أقصر الطرق إلى الحرب والتناحر هو طريق سيّار مؤدّى عنه، لكنه يلغي الضمير وينسى التاريخ، ويوغل في أوحال الضغينة، يخون الماضي ويلغي الأمل في المستقبل.

بين شعبي المغرب والجزائر مواثيق شرف، ومعاهدات ضمير، وتحالفات مصيرٍ مشترك، وتعاقدات مستقبل مترابط ومتشابك

بين المغرب والجزائر موقع حدودي يسمّى "زوج بغال"، فلا نكن مثل البغلين، ولنحكّم العقل والبصيرة، ولنسمع لقول الحكمة والرشاد، ولا نخضع لمن في مصلحتهم تسميم الأجواء والاستفادة من الخصومات، فهؤلاء مثل الضباع تقتات على بقايا الفرائس. سيذكر التاريخ بسوء هؤلاء المؤجّجين نار الفتنة، الذين يبالغون في وطنية زائفة، وإظهار مناصرة ما يزعمون أنها حقوق مهضومة، وإنما غرضهم إرضاء السلطة والتملق، والرغبة في الاغتناء والتسلق، لقضاء مآربهم الخاصة ومطامعهم الخسيسة على حساب الملايين من أبناء الشعب الذين تحرمهم السياسة الرعناء من الخروج من الفقر المدقع، ومن سوء التدبير والفساد الجاثم على صدورهم منذ عقود.

بين شعبي المغرب والجزائر مواثيق شرف، ومعاهدات ضمير، وتحالفات مصيرٍ مشترك، وتعاقدات مستقبل مترابط ومتشابك، ناهيك عن كفاح مشترك ضد الاستعمار، ونضال واحد ضد التخلف. وما يجمعهما من علاقات عائلية، وروابط دم ومصاهرة، لا يمكن أن يلغى بقرار سياسي، مهما كانت دواعيه وذرائعه، ولا يمكن أن يقبل مهما كانت أسبابه. لن ينسى الشعب الجزائري وقوف أبناء المغرب معه في الجهاد ضد الاستعمار، وهو وقوفٌ لم يتم دعما بل مشاركة حقيقية، فالعديد من أبناء المنطقة الشرقية للمغرب شاركوا فعليا في حرب التحرير الجزائرية، لا دعما بالغالي والنفيس فحسب، ولكن تضحية بالنفوس والأبناء أيضا، وكاتب هذه السطور يعرف عديدين ممن ساهموا في هذه الحرب، ممن لم ولن يَمُنّوا يوما بذلك، لاعتقادهم أن ما قاموا به واجب ديني وطني، استجابة لنداء الضمير والعقيدة. هو جهاد ضد المحتل وضد المستعمر وضد الغازي، لاسترجاع الكرامة وتحقيق الحرية، لتحرير الأرض وتحقيق الاستقلال. كما أن جزائريين عديدين قطنوا في المغرب أصبحوا من أهله، قاوموا الاستعمار الفرنسي وأبلوا البلاء الحسن، وخير مثال يمكن ذكره قائد جيش التحرير المغربي، ذو الأصول الجزائرية، عبد الكريم الخطيب، مؤسّس حزب العدالة والتنمية المغربي، درس في الجزائر ثم ذهب إلى فرنسا لاستكمال دراسته، حيث تولى منصب نائب رئيس جمعية الطلبة المسلمين لشمال أفريقيا، ثم انخرط بعد رجوعه إلى المغرب في صفوف المقاومة والكفاح والجهاد. وزار بلدانا عربية عديدة للحصول على الدعم المادي لشراء الأسلحة التي كان جزء منها يُعطى للثوار في الجزائر.

إذا اختلف الحكام على المثقفين أن يربأوا بأنفسهم عن الدخول في ظلمة الأنفاق، لأنها ظلمة عابرة وزائلة

إنه مصير واحد ينتظر شعوب المغرب العربي، وإنها تنمية شاملة يجب تحقيقها بالتآزر وتوحيد الجهود، والذي يعتقد أنه سيحقق الفوز والنجاح وحده مخطئ، ولو حقّقه، فلن يتأتّى له ذلك إلا ببطء شديد، وسيبقى رهينة القوى العظمى التي تتحد بينها رغم قوتها، وستحول بينه وبين تحقيق ما يصبو إليه، لأن ذلك ليس من مصلحتها. ولذا إذا اختلف الحكّام على المثقفين أن يربأوا بأنفسهم عن الدخول في ظلمة الأنفاق، لأنها ظلمة عابرة وزائلة. وإذا لم يستطيعوا أن يضيئوا شموع الأمل والتفاؤل، فلا يستسيغوا قرارات بنيت على الباطل وضد إرادة الشعوب. وإذا لم يقدروا على التغنّي بمنافع الوحدة والتآلف، فلا يصرخوا بصوت التفرقة والتجزئة. ومن الأفضل لهم أن يصمتوا إذا لم ينطقوا بما يُقوّي منطق الصلح والوئام لما فيه مصلحة البلاد والعباد. قال الشاعر: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه/ لا يذهب العرف بين الله والناس.