إلى الحوار... في مئوية بيان الثورة السورية
تكتمل غداَ مائة عام على وثيقةٍ قد تكون من أشهر الوثائق في تاريخ سورية المعاصر وأكثرها أهميةً. ففي 23 أغسطس/ آب 1925، أطلق سلطان باشا الأطرش بيان الثورة السورية الكبرى ضدّ الاحتلال الفرنسي، داعياً فيه السوريين إلى القتال ومقاومة المحتلّ، ومطالباً بوحدة الأراضي السورية واستقلال الدولة السورية استقلالاً تاماً، وبادئاً بيانه: "إلى السلاح... إلى السلاح". تأتي أهمية هذه الوثيقة (البيان) من أنها أول وثيقة سياسية تخاطب السوريين كياناً واحداً مستقلاً عن سواه، فقد ورد في البيان مخاطبة السوريين مرَّتَين: "أيها السوريون... أيها العرب السوريون". وجاء في مقدّمة مطالب البيان: "وحدة البلاد السورية، ساحلها وداخلها، والاعتراف بدولة سورية عربيةً واحدةً مستقلةً استقلالاً تامّاً"... جاء هذا الخطاب (المطلب) بعد تسع سنوات من اتفاقية سايكس بيكو (1916) التي كانت سرّيةً، ولم تُفضَح إلا بعد انتصار الثورة البلشفية في روسيا (1917)، أي أن البيان جاء بعد أقلّ من ثماني سنوات من معرفة السوريين بالاتفاقية، وبعد أقلّ من خمس سنوات على سقوط أول دولة سورية ينشئها السوريون في العصر الحديث بعد خروج العثمانيين من البلاد، الدولة التي كان اسمُها دولة سورية، لكن ملكها كان عربياً من شبه الجزيرة هو فيصل بن الحسين. وهنا يمكن أن نسأل: هل حسم السوريون أمر انتمائهم وهُويَّتهم وشكل دولتهم؟
تفيد الأحداث التي رافقت مسار بناء الدولة بعد الاستقلال بأن الانقلابات العسكرية التي حصلت لم تكن في عمقها صراعاً على السلطة فحسب، بل كانت صراعاً أيديولوجياً على شكل الدولة وهُويَّتها، لكنّه صراع أيديولوجي بلغة السلاح والعسكر. وبالتالي، مسألة الهُويَّة والانتماء وبنية الدولة وشكلها ومسائل العقد الاجتماعي، التي ظهرت في الدساتير المتعاقبة، كلّها كانت غير متوافق عليها، ما أدّى إلى سلسلة من الانقلابات العسكرية التي استقرّت نسبياً مع عهد شكري القوتلي (1954- 1958)، وأحد أهم أسباب هذا الاستقرار المؤقّت أن هذه المرحلة شكّلت مناخاً ديمقراطياً سمح للسوريين بالتعبير عن أنفسهم من دون قيود، بمعنى أن السوريين استطاعوا أن يخوضوا تجربة الصراع والحوار والتنافس، وأشكال العمل السياسي كلّها من دون لغة الرصاص وقرارات العسكر، ومع ذلك انتهت هذه التجربة بالوحدة مع مصر التي لم تستطع أن تعيش أكثر من ثلاث سنوات.
الانقلابات العسكرية التي حصلت في سورية لم تكن في عمقها صراعاً على السلطة فحسب، بل كانت صراعاً أيديولوجياً على شكل الدولة وهُويَّتها
تتويج مرحلة القوتلي الديمقراطية بالوحدة مع مصر يعني أن الخيار القومي اجتماعي عام، فشل الوحدة السريع يعني أن الخيار القومي لم يكن يناسب الجميع. تسلّم حزب البعث ذو الأيديولوجية القومية السلطة بانقلاب عسكري عام 1963، واستمرّ إلى أن سقط في الشهر الأخير من عام 2024، فارضاً على السوريين شكل الدولة وهُويَّتها، وشكل الانتماء وعدة دساتير، وذلك كلّه من دون أدنى أشكال الحوار الجدّي، إنما كان فرضاً سلطوياً لا يقيم وزناً لآراء المواطنين، بل يريد فرض توجهاته بالقوة، وقد فعل ذلك على مدى سنوات حكمه بدرجاتٍ مختلفةٍ من العنف، كان أقساها في السنوات الماضية مع ثورة عام 2011. لم تعط السلطات المتعاقبة فرصةً للسوريين كي يتحاوروا في مناخ صحّي، باستثناء مرحلة القوتلي، علماً أن السوريين لم يخوضوا حواراً جادّاً في هذه المرحلة، إنما خاضوا عمليةً سياسيةً فيها التنافس والصراع والتحالف وبعض الحوار، وهي تجربة صحّية ومطلوبة، لكن التجارب العالمية للديمقراطيات تُخبرنا أن العملية الديمقراطية تبدأ بعد التوافقات الكُبرى، أي بعد أن يتوافق الجميع على الأرضية السياسية التي سيتنافسون فيها، وعلى الأفق السياسي الذي سيطرحون فيه مشاريعهم السياسية المختلفة.
لا نملك خياراً آخر غير الحوار، فهذا قدرنا الذي يجب أن نواجهه بشجاعة
غابت الخطوة الأولى (التوافقات الكبرى) في مرحلة القوتلي، وغاب كلّ المناخ الوطني الديمقراطي بعد القوتلي، ولم تحضر إلا الأصوات الأيديولوجية المرافقة لصوت السلاح، وكأن نداء بيان الثورة ما زال قائماً، يقول للسوريين إلى السلاح إلى السلاح، حتى شهدنا الأحداث الكارثية أخيراً في التعامل مع أحداث الساحل وأشرفية صحنايا والسويداء. وإنه لمن المرارة أن يسخر منا التاريخ ليقول لنا إننا بعد مائة عام على بيان الثورة هذا استطعنا أن نحافظ على نداء "إلى السلاح"، لكنّنا لم نستطع أن نحافظ على مطالب البيان السياسية، وهي أربعة مطالب تتلخّص في: دولة سورية موحّدة ومستقلة، وحكومة تعمل بموجب قانون أساس، وخروج القوى الأجنبية وتشكيل جيش وطني، وتأييد مبدأ الثورة الفرنسية في حقوق الإنسان والمساواة.
أصبح لزاماً على السوريين الآن أن يتبنّوا نداءً إلى الحوار ويتخلّوا عن لغة السلاح، فالحوار وحده الذي يمكن أن يجعل السوريين قادرين على صوغ توافقاتهم الكبرى، التي في غيابها سيبقى فتيل الحرب مشتعلاً.
إلى الحوار أيها السوريون، كي تتمكّنوا من إعادة تعريف انتمائكم بما يناسب العصر، وكلّ تعريف مسبق للانتماء هو تكريس للانقسام والاقتتال. إلى الحوار كي تتمكّنوا من التوافق على شكل الدولة والدستور وآليات الحكم. إلى الحوار، فقد نفشل في مهمة بناء الدولة... لكنّنا لا نملك خياراً آخر غير هذا، فهذا قدرنا الذي يجب أن نواجهه بشجاعة.