إقليم البصرة ووحدة الأراضي العراقية

02 يناير 2026
+ الخط -

تتجدد في العراق، من حين إلى آخر، دعوات إلى إقامة "إقليم البصرة"، بوصفه وحدة إدارية تتمتع بصلاحيات واسعة ضمن نظام "الدولة الاتحادية" المنصوص عليه في الدستور العراقي. ليست هذه المطالب جديدة، بل تعود إلى تاريخ طويل من الاحتجاجات والجهود السياسية في البصرة، المحافظة النفطية الاستراتيجية في جنوب العراق.

الإقليم، وفق الدستور العراقي، وحدة إدارية تتمتع بصلاحيات واسعة في إدارة شؤونها المحلية، بما في ذلك الموارد، والتشريع المحلي، والمحاكم، ومسائل الحكم الذاتي، ضمن إطار الدولة الاتحادية. يسمح الدستور بتشكيل أقاليم من محافظة واحدة أو أكثر ضمن إجراءات دستورية محدّدة. ومن هذا الفهم، تعني الدعوة إلى إقليم البصرة منح المحافظة صلاحياتٍ أوسع في إدارة مواردها (خصوصاً النفط والموانئ)، وخدماتها، وإدارتها المحلية، مع بعض صلاحياتٍ تقترب من الحكم الذاتي الإداري، وليس بالضرورة انفصالاً عن الدولة.

ما الذي يدفع نحو هذه الدعوة بين حين وحين؟ ... موارد البصرة الكبرى من إنتاج ملايين البراميل من النفط يومياً، وما تدرّه موانئها الاستراتيجية من دخل عالٍ وإيراداتها الضريبية ورسوم منافذها الحدودية، لم تنعكس على واقع البصرة الخدمي والاجتماعي؛ فمعظم سكانها يعاني من ضيق العيش ونقص في الخدمات الأساسية، مثل المياه الصالحة وتلوث الهواء وعدم توافر الخدمات والبطالة مع تراجع قدرة الحكومة المركزية على معالجة مشكلات المحافظة المزمنة بكل أشكالها، دفعت الداعين إلى موضوع الإقليم إلى تبنّي فكرة الإدارة المحلية والمطالبة بإجراء استفتاء شعبي يحدّد رغبة سكان هذه المحافظة في إقرار توجّه مجلسها لمطالبة الحكومة المركزية بتنفيذ الدستور الذي أقرّ في مادّته الأولى على أن "جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة." ثم في المادة 119 من الدستور، أنه "يحق لكل محافظة أو أكثر تكوين إقليم بناءً على طلب بالاستفتاء".

سيعيد تحويل البصرة إلى إقليم توزيع الصلاحيات بين المركز والمحافظات، وقد يفتح الباب أمام مطالبات مماثلة من محافظات أخرى

أطلقت مفوضية الانتخابات العراقية استمارات طلبات تشكيل إقليم البصرة بما أضاف خطوة رسمية أعادت المسار الدستوري المطالب بالإقليم إلى واجهة النقاش، وبات الجميع ينتظر نتائج حملة التواقيع التي دعا إليها مجلس محافظة البصرة، ثم اكتمال إقرار الرئاسات الثلاث، حتى إحالة الطلب الرسمي إلى مجلس النواب العراقي الجديد الذي يفترض أن يعطي رأيه التشريعي وفق مواد الدستور، حتى يصار إلى إقراره.

وهناك معارضون لديهم حججهم لرفض فكرة إقليم البصرة؛ أهمها الخشية من أن إقامة الإقليم قد تؤدّي إلى تنافس على السلطة والثروات داخل المحافظة نفسها، وربما ينشط صراعات محلية على النفوذ والموارد، خصوصاً في ساحة سياسية غير مستقرّة. فيما يرى آخرون أن دول الجوار قد تنظر بريبة إلى إقامة إقليم مستقلٍّ نسبياً في البصرة، بسبب مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في الموانئ والموارد، ما يمكن أن يعقّد الوضع الإقليمي. وهناك من يذهب إلى مقارنة التجارب السابقة في العراق مع الحكم الفيدرالي، والمقصود إقليم كردستان، حيث التوترات بين المركز والأقاليم، ثم تجربة كردستان عام 2017 لطرح موضوع الاستقلال (غير القانوني) الذي تلاه ردّ مركزي قوي شكّل مثالاً على تحدّيات الانفصال والدعوات الانفصالية. ولذلك كله، يخشى المعارضون من أن تحويل محافظة البصرة إلى إقليم قائم بذاته، قد يمثل مخاطرة تُفضي إلى تعميق الانقسامات على أسس مناطقية وعرقية وطائفية، وأن الحلّ يكمن في تعزيز الحكم المحلي داخل إطار الدولة الموحدة بدل السعي لاحقاً إلى تقسيم أكبر للسلطة.

يمنح الدستور صلاحيات تشريعية، وتنفيذية، وقضائية، واسعة لإدارة الموارد بما لا يتعارض مع السياسة العامة للدولة

السؤال المهم في موضوع المطالبة بإقليم البصرة مدى تأثيره المتوقع على وحدة الأراضي العراقية سياسيا واقتصاديا وأمنياً؟ سياسيّاً، سيعيد تحويل البصرة إلى إقليم توزيع الصلاحيات بين المركز والمحافظات، وقد يفتح الباب أمام مطالبات مماثلة من محافظات أخرى، ما قد يعيد تشكيل الخريطة السياسية داخل العراق باتجاه لامركزيةٍ أوسع. وقد يعني ذلك تحوّلاً في مفهوم الدولة الموحدة نحو دولة أكثر فيدرالية. كما أن إقامة إقليم في البصرة قد يؤثر على ثقة المركز والمحافظات، لأن نجاح تجربة إقليم في البصرة قد يعزّز ثقة المحافظات الأخرى في إمكاناتها، ولكنه في الوقت نفسه قد يثير خلافاتٍ بشأن توزيع الموارد، خصوصاً النفطية منها، ما يستدعي قوانين واضحة لتقاسم العائدات. أما التأثير الأمني والسياسي فيأتي من زاوية واقع التجربة الفيدرالية في العراق عموماً حيث لا تزال مثقلة بالاختلافات، كما أن أي خطوة نحو توسيع الأقاليم يمكن أن تُستغل سياسياً من قوى داخلية أو خارجية لتعميق الانقسامات أو إعادة تشكيل الولاءات، وهو ما يستلزم إدارة حذرة، وتوافقاً وطنياً واسعاً.

كما تشكل حدود صلاحيات الإقليم الذي يمنح بموجب المادتين 115 و121 من الدستور أولوية قوانين (الإقليم) على القوانين الاتحادية في حال التعارض (باستثناء الحصريات) كما يمنح الدستور صلاحيات تشريعية، وتنفيذية، وقضائية، واسعة إدارة الموارد بما لا يتعارض مع السياسة العامة للدولة.

ولكن الدستور أيضا نصّ على أن النفط والغاز “ملك لكل الشعب العراقي” (المادة 111)، ويُداران بالتعاون بين المركز والإقليم (المادة 112). وهي فقرات مازالت محط خلافات بين تفسير إقليم كردستان العراق والحكومة الاتحادية تتفجر بين حين وآخر. ووفق هذه النصوص الدستورية، لا يمتلك إقليم البصرة، دستوريّاً، حق الانفراد الكامل بثروته النفطية، وهو ما يُضعف خطاب "الاستقلال الاقتصادي" الذي يروّجه بعض أنصار الإقليم.

يخشى من أن إقامة الإقليم قد تؤدّي إلى تنافس على السلطة والثروات داخل المحافظة نفسها، وربما تنشط صراعات محلية على النفوذ والموارد

أمام المطالبين بالإقليم في البصرة ومعارضيه وحتى مجلس النواب العراقي الجديد مقارنات، كل من زاويته مع تجارب فيدرالية قائمة منها، التجربة الأقرب، إقليم كردستان العراق حيث نشأ سياسيًا قبل 2003، ثم دستوريًا بعد 2005 وهو يتمتع بحكومة وبمجلس للنواب وقوات أمن جيدة ، لكنه وبحسب "International Crisis Group" شهد توتّرات حادّة مع المركز بسبب النفط، الميزانية، والحدود بلغت ذروتها مع خطوة الإقليم المستعجلة في إجراء استفتاء عام 2017 الذي شكّل نقطة تحذير مركزية، وقاد إلى فقدان الإقليم مناطق متنازع عليها، ثم تقليص نفوذه المالي والسياسي.

تجربة النموذج الألماني التي يطلق عليها "الفيدرالية المنضبطة" حيث الموارد السيادية (الضرائب الكبرى، السياسة الخارجية، النقد) مركزية، ورغم قوة الولايات الألمانية إداريًا إلا أنها مقيّدة دستوريًا. النموذج النيجيري والتي يطلق عليها (فيدرالية الموارد) حيث منحت الحكومة الإتحادية الأقاليم المنتجة نسبة من العائدات لكنها واجهت نزاعات حادّة وفساداً محليّاً وتفاوتاً تنمويًا بحسب "World Bank – Nigeria Federalism"، وهو ما قد يواجه إقليم البصرة من زاوية تفكيك السياسة النفطية وولادة نزاعات حول الحصص المالية والميزانية الاتحادية.

أخيراً، ليست الدعوة إلى إقامة إقليم البصرة فكرة بسيطة أو محلية فحسب، بل هي انعكاس لصراع أوسع حول الموارد، والعدالة، وطبيعة الدولة العراقية نفسها. بالنسبة لبعضهم، تمثل فرصة لتعزيز الحكم المحلي وتحسين الخدمات، بينما يرى آخرون فيها أخطاراً على وحدة العراق وترسيخ الانقسامات الإدارية والسياسية. وقانونيّاً، ليست الدعوة إلى إقليم البصرة خرقاً للدستور، لكنها اختبار خطير لطبيعة الدولة العراقية؛ هل هي دولة قادرة على إدارة التعدّد والصلاحيات، أم دولة تُنتج الأقاليم هروباً من فشل المركز؟ وواقع الحال يقول إن المشكلة الجوهرية لا تكمن في "الإقليم" بحد ذاته، بل في غياب دولة اتحادية فعّالة تضمن العدالة في توزيع الثروة، وتمنع تحوّل الفيدرالية من أداة إدارة إلى مقدّمة تفكك.