إغراء الانقلاب .. تونس ليست مصر

19 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

كلّما شهد المجتمع التونسي، بعد الثورة، موجات احتجاجية، رأيتَ معظم الفاعلين في المشهد السياسي والنقابي يتّفقون على تأييد الفعل الاحتجاجي والتسليم بشرعيته، باعتباره يروم تحسين أوضاع النّاس، غير أنّهم يتباينون في تمثّل رسائل الاحتجاج ومآلاته، فشقّ يرى أنّ الاحتجاج يستوجب تغيير النظام السياسي من برلماني معدّل إلى نظام رئاسي، وحلّ البرلمان، ومنح رئيس الجمهورية كلّ الصلاحيات، والإذن للجيش ببسط نفوذه على كلّ المناطق (موقف وجوه في حركة الشعب، التيار الديمقراطي، وطيف من أحزاب اليسار). وشقّ يذهب إلى ضرورة نسف منظومة 2011/ 2020، بمختلف مخرجاتها، والعودة بالبلاد إلى مربّع الدولة الشمولية قبل الثورة (موقف الحزب الدستوري الحر)، ويستبطن هؤلاء وأولئك استعادة السيناريو الانقلابي المصري في تونس، على سبيل التصريح أو التلميح. ويزعم بعضهم أنّ "مصر تنعم باستقرار ونماء بعد تصحيح ثورتها"، فيما يذهب شقّ آخر إلى أنّ الاحتجاج يقتضي تدشين حوار وطني، سياسي/ اقتصادي/ اجتماعي (موقف اتحاد الشغل، حركة النهضة، مشروع تونس، قلب تونس)… للتفاعل مع تطلّعات النّاس وإخراج البلاد من ضائقتها الاقتصادية وأزمتها السياسية. 

الواقع أنّ المنادين بحكم رئاسي مطلق، والمطالبين باستعادة مثال الدولة الأحادية قبل الثورة تفاعلا مع احتجاجات مطلبية، يلتقون عند إعادة إنتاج الحكم الفردي، والقفز على الشرعية الانتخابية باعتبارهم يرومون حلّ البرلمان، وهو مؤسّسة سيادية، شرعية، وازنة، أنتجها صندوق الاقتراع، وتصويت المواطنين الذين اختاروا ممثّليهم في المؤسسة النيابية في كنف النزاهة والحرّية بشهادة منظّماتٍ رقابيةٍ محلّية ودولية موثوق بصدقيتها. ويُفترض، في حال وجود شبهاتٍ حامت حول بعض النوّاب، أو حول سيرورة العملية الانتخابية في بعض الجهات، التوجّه إلى القضاء مع تقديم أدلّة يقينية/ ثابتة في هذا الخصوص. والمرجّح أنّ دعاة الحكم الرئاسوي والنظام الأحادي يريدون تدشين انقلاب ناعم على دستور الجمهورية الثانية (2014) الذي ينصّ على الفصل الصريح بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. ويضبط في بنود عدّة صلاحيات كلّ طرف، بشكل يمنع مرْكزة السلطة عند جهة دون أخرى، ويؤسّس لرقابة متوازنة، متبادلة بين كلّ السلطات. واستحضار الفصل 80 من الدستور التونسي لتدشين ما تُعرف بحالة "الاستثناء"، لتمكين رئيس الجمهورية من تسيير شؤون البلاد جميعا هو استحضار في غير محلّه. ذلك أنّه يشرط التدخّل المباشر لرئيس الدولة بوجود "خطر داهم"، من قبيل غزو أجنبي، أو حرب أهلية أو انتشار الفوضى والعنف في عموم البلاد، وليس ثمة شيء من هذا كله في واقع الحال في تونس حاليا، فالمشهود في البلاد احتجاجات قطاعية أو جهوية أو جمعوية سلمية محدودة. والاحتجاج أو التناور والتنابز في البرلمان حالة مشهودة في المجتمعات الديمقراطية. يضاف إلى ذلك أنّ الفصل المذكور سلفا يشترط أن يستشير رئيس الجمهورية كلاّ من رئيسي الحكومة ومجلس نواب الشعب (البرلمان)، وأن يُراجع المحكمة الدستورية (لم تُحدث بعد) في شأن التدابير التي يتعيّن اتخاذها في حال وجود "خطر داهم".

التأسّي بالحالة المصرية سيؤدّي إلى تصحيح مسار الثورة وتحقيق الاستقرار والنماء إغراء دعائي يقتضي التمحيص، فما حصل في مصر لم يكن تصحيحا للثورة، بل انقلابا على مكتسباتها

أمّا استدعاء الحالة المصرية في السياق التونسي، فخيار لا يسلم لأصحابه، فالرئيس التونسي غير الرئيس المصري، فقيس سعيّد شخصية حقوقية، ورجل قانون، بلغ الحكم عن طريق الانتخاب الشعبي، النزيه، المباشر، وهو "الضامن لوحدة الدولة واحترام الدستور". ومن الصّعب أن يُجازف بالانقلاب على المنظومة الديمقراطية، ويجمع كلّ السلطات بيده، لأنّه يُدرك سلفا أنّ ذلك سيجعله يتحمّل وحده تبعات الحكم الفردي، وسيجعله يواجه معضلاتٍ تونسيةً جمّة، واعتراضاتٍ مدنية وحقوقية عدّة، وسيؤدّي ذلك إلى تراجع شعبيته وتدهور مكانته عند عموم التونسيين لا محالة. أمّا عبد الفتّاح السيسي، فشخصيّة عسكرية، مهيْمنة على المشهد المصري، وينعتُه أصدقاؤه وخصومه بالمشير حينا وبالديكتاتور حينا آخر، وقد وصل إلى الحكم بقوّة الجيش، بعد انقلاب عسكري دموي على أوّل رئيس منتخب في تاريخ مصر (محمّد مرسي). ومدّد السيسي الحكم لنفسه، وتمّ تنقيح الدستور على هواه، فالمشابهة بين الرجلين تبدو مستحيلة.

ومحاولات بعض السياسيين والإعلاميين في تونس وخارجها زجّ الجيش التونسي في حمأة الخلافات السياسية، وإغراءه بركوب موجات الاحتجاج، للاستيلاء على الحكم وسيادة البلاد بقبضة حديدية أسوة بمصر، دعوة لا تجد لها صدى إيجابيا في الشارع التونسي، ولدى المؤسّسة العسكرية في البلاد، فمعظم التونسيين متمسكون بالنظام الديمقراطي والدولة المدنية (راجع المؤشر العربي 2020، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات)، ويكنّون احتراما للجيش، لأنّه مؤسّسة احترافية، نأت بنفسها عن المعترك السياسي، وحمت الحدود والثغور والمؤسسات السيادية، ولأنّ الجيش التونسي اختار أن يكون حارسا أمينا للاستحقاقات الانتخابية، وأن يظلّ نصيرا لمشروع الثورة والدمقرطة في البلاد. أمّا الجيش في مصر فجهاز عريق، معروف بكثرة عتاده وعدده، وامتداده في الشأن العام المصري، وانخراطه في الحياة السياسية والاقتصادية، فضلا عن هيمنتة على جلّ المرافق الحيوية ومفاصل الإدارة في البلاد.

نقد الرئيس في تونس ممكن، ومقاضاته وغيره من المسؤولين ممكنة، والتداول على الحكم حاصل، والتعدّدية الحزبية والنقابية والجمعوية موجودة

والقول إنّ التأسّي بالحالة المصرية سيؤدّي إلى تصحيح مسار الثورة وتحقيق الاستقرار والنماء إغراء دعائي يقتضي التمحيص، فما حصل في مصر لم يكن تصحيحا للثورة، بل كان انقلابا على مكتسباتها، فمع صعود العسكر إلى الحكم، انحسرت الحرّيات العامّة والخاصّة بشكل غير مسبوق. التظاهر في مصر ممنوع، ونقد النظام الحاكم محظور، والتعبير عن الرأي حقّ مصادر، وكلّ معارض جادّ يعدّ في نظر النظام السلطوي إرهابيا، ولا يوجد تداول على السلطة، والانتخابات صورية ونتائجها معلومة سلفا، والمحاكمات غير العادلة كثيرة، وحالات الاختفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون عديدة، والمعتقلات تعجّ بالآلاف من سجناء الرأي (حوالي 60 ألفا). وتحتلّ مصر المراتب الأخيرة في سلّم احترام حقوق الإنسان، بحسب تصنيفات منظّمات حقوقية دولية موثوقة. كما اتّسعت جيوب الفقر المدقع (حوالي 33%من مجموع السكان)، وتزايدت الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وبين الريف والمدينة (انتفاضة القرى مثالا)، وظهرت بوادر احتجاج شعبي مقموع على الفساد الإداري وهدر المال العام (انتفاضة القصور مثالا)، وتواجه البلاد احتمال شحّ نهر النّيل، بسبب إقامة سدّ النهضة والنزاع مع إثيوبيا في هذا الشأن. ومن ثمّة، الحالة المصرية ليست جديرة بأن تُحتذى، لا من الناحية التنموية ولا من الناحية الحقوقية. ومن المفيد الإشارة هنا إلى أنّ تونس بعد الثورة تحتلّ المرتبة الأولى عربيا في مؤشّر ضمان الحرّيات وتعزيز الديمقراطية، بحسب تقارير صادرة عن مراكز بحثية ومنظمات حقوقية عربية ودولية مرموقة، فنقد الرئيس في تونس ممكن، ومقاضاته وغيره من المسؤولين ممكنة، والتداول على الحكم حاصل، والتعدّدية الحزبية والنقابية والجمعوية موجودة، وحرّيات التعبير، والتفكير، والضمير، والتجمّع والتنظّم والتظاهر يكفلها الدستور. لكنّ مخرجات العدالة الانتقالية لم تُطبّق بعد، والبيروقراطية متفشّية، والمحسوبية ظاهرة، وقطار التنمية معطّل أو يكاد، والانتقال الاقتصادي ما زال بعيدا.

ويبدو أنّ بعض السياسيين التونسيين لا يقرأون جيّدا رسائل المحتجّين ومطالبهم، فهؤلاء، بحسب شعاراتهم، لا يريدون تغييرا في النظام السياسي، ولا في هيئة الدولة، ولا يرومون حلّ البرلمان أو نقض الدستور. بل على العكس، يحتجّون أمام البرلمان، لإيصال أصواتهم إلى أصحاب القرار، ويطالبون بتنزيل محامل الدستور في الواقع، خصوصا ما تعلّق بتحقيق التنمية الشاملة، والتمييز الإيجابي للجهات المحرومة وتشغيل من طالت بطالتهم، ومكافحة الفساد والبيروقراطية، وهي مطالب ذات بعد تنموي بالأساس، غايتها ضمان العيش الكريم لعموم التونسيين.

تونس في حاجة إلى حوار وطني اقتصادي جامع، لا يُقصي إلا من أقصى نفسه،

بناء عليه، تونس في حاجة إلى حوار وطني اقتصادي جامع، لا يُقصي إلا من أقصى نفسه، يشارك فيه ثُلّة من الخبراء والحكماء المتحزّبين وغير المتحزّبين وممثلي الجهات والمنظّمات الوطنية المدنية الفاعلة، تكون غايته بلورة خريطة عملٍ إصلاحية، واقعية، يتمّ توجيهها إلى الرئاسات الثلاث (الجمهورية، البرلمان، الحكومة) التي يُفترض أن تعمل على تطبيقها. وتكون بمثابة عقد مدني بين المواطنين وهيئة الحكم، وتتضمّن مقترحاتٍ مفصّلة لتعصير الإدارة ورقمنتها، وتحقيق التنمية الجهوية الشاملة، وتوفير خدمات القرب للمواطنين، وتطبيق مخرجات العدالة الانتقالية، ومكافحة الفقر والفساد والبطالة، وضبط خطط ناجعة لكيفيّات إحداث مواطن شغلٍ جديدة، وموارد مالية إضافية، والانتقال باقتصاد البلاد من ريعي/ استهلاكي إلى إنتاجي/ تشغيلي. ومن المهمّ في هذا الخصوص مدّ جسور التواصل والتعاون مع شركاء تونس الاقتصاديين وأصدقائها البارزين عربيّا ودوليا.

ختاما، لا تحتاج تونس إلى انقلاب سياسي ناعم أو غاشم، بل إلى نقلة اقتصادية نوعية، تكون سندا للمنجز الديمقراطي، وضمانا لبقائه، وأساسا لاستمراره، لأنّ الديمقراطية المفقّرة لا تصمد طويلا.