إعمار غزّة وإعادة بناء القوة الذاتية الفلسطينية

13 فبراير 2026
+ الخط -

في غمرة الوهن السياسي الفلسطيني، وهلاك المشروع الوطني، وغياب البرنامج السياسي الموحّد وأنماط القيادة الشرعية الفعّالة، وتشتّت الكلّ الفلسطيني وتشرذمه، وحالة التيه المصاحبة لذلك كلّه، يواجه الفلسطينيون اليوم مفترقَ طرقٍ حقيقيّاً وتاريخيّاً ومصيريّاً. وفي هذه اللحظة بالذات، التي تكثر فيها المساحات الرمادية ويشكّل فيها الغموض جزءاً من منظومة السيطرة الاستعمارية، يجدر أكثر من أيّ وقت مضى نقاشُ الأوراق الفلسطينية في جعبتهم وتحليلها وتبيانها، والتي بإمكانها أن تنقلهم من حالة الانكسار والضعف والتيه إلى حالٍ أفضل ليكونوا قادرين على الفعل وامتلاك زمام المبادرة، من أجل مجابهة التحدّيات الجسيمة ومحاولات محو الوجود والهُويّة والكيانية الفلسطينية. وهذا يتطلّب بالضرورة الانخراطَ في عملية جدّية وصادقة (غير مكابرة) للمراجعة الذاتية والنقد الذاتي الحقيقي، بوصفها مطلباً استباقيّاً لبناء مستقبلٍ مغاير لا يعيد بناء ما سبق بأغلفة مختلفة، وإنما يؤسّس لما هو جوهريٌّ مختلف، ليواكب معطيات الظرف الحالي وتبعات الإبادة وحالة الفشل السياسي الجمعي للحركة الوطنية الفلسطينية.

هذه الحركة الوطنية بأقطابها وتبايناتها، وعلى مدار العقود الثلاثة الماضية، لم تؤسّس جسماً سياسيّاً فلسطينيّاً حصيناً قادراً على المناورة ومحاكاة التغيّرات والتكيّف المبدئي مع التحوّلات البنيوية في المنطقة والعالم. ولكن الأهم أنها فشلت أيضاً في بناء جسم وطني جامع ومرجعي وشرعي وفعّال وملموس ينضوي الفلسطينيون، باختلاف مشاربهم، تحت إطاره، ويشكّل مظلّةً سياسيةً تمثيليةً تشاركيةً تتسع للرؤى السياسية المختلفة للفلسطينيين. فلا تعني الوحدة أن يتماهى الفلسطينيون في برنامجهم السياسي (فهذا منافٍ للتعددية السياسية) بل أن تتداخل وتتقاطع وتشتبك وتختلف برامجهم السياسية، ولكن من أجل الانخراط في عملية تحرّرية وانعتاقية تضع الحرية والكرامة وتقرير المصير والعودة أهدافاً مشتركةً وجامعة. فنهج الإقصاء، الذي يتقاطع مع هدف التفتيت والشرذمة الذي تنشده القوة الاستعمارية، هو ما قام به فعليّاً أقطاب الحركة الوطنية الفلسطينية، خاصّةً خلال العقدَين الماضيَين، وهو غياب تمثّل في مأسسة الانقسام وما تبعه من وهن للمشروع الوطني وترسيخهما.

وعليه، وفي ظلّ ما تبيّن خلال العامَين الماضيَين، وبكيفية ومعطيات حركتَي فتح وحماس مع التغيّرات الإقليمية الآخذة في الحدوث ومعطياتهما، فالمحاسبة والمساءلة لأقطاب الانقسام الفلسطيني ليست ترفاً سياسيّاً، بل هي في جوهر أيّ عملية تغييرية، بما فيها إعادة إعمار قطاع غزّة، إن كان الهدف هو التأسيس لمرحلة سياسية جديدة تتعلّم من الماضي وتبني مرحلةً جديدةً عنوانها الشرعية والتمثيلية والفعّالية السياسية ومركزية وجوهرية الإنسان في الفعل السياسي.

لا تعني الوحدة أن يتماهى الفلسطينيون في برنامجهم السياسي بل أن تتداخل وتتقاطع وتشتبك وتختلف برامجهم السياسية، ولكن من أجل الانخراط في عملية تحرّرية وانعتاقية

وتشكّل المرحلة الحالية، وعملية إعادة الإعمار قيد التشكّل، مدخلاً آخر لا يتوجّب التفريط فيه، ليس من أجل المحاسبة والمساءلة فحسب، وإنما لإرساء قواعد جديدة للفعل السياسي الفلسطيني الجمعي. فعملية إعادة الإعمار المادي تتطلّب أن تقترن بورشة عمل جادّة لإعادة الإعمار السياسي للسياسة والحوكمة الفلسطينية، لتعيد تعريف ماهية النظام السياسي الفلسطيني ومؤسّساته التمثيلية وقيادته ورؤيته، وأشكال الحوار الوطني وإطارها، وشكل الإطار القيادي الفلسطيني، ونوع خطابه وطبيعته، واستراتيجيات فعله السياسي، وأشكال مقاومته واشتباكه وأدواتهما، ودور مؤسّساته، بما فيها جوهرية دور المجتمع المدني وأدواره التكاملية، في طريق يجعل الفلسطينيين أقرب إلى الحرية، بدل أن يتكيّف ما ذُكر أعلاه مع عمليات معقّدة لتحسين شروط العيش فقط تحت الاستعمار بتنوّع أشكاله وأدواته.

ومن أجل الانخراط في عملية كهذه، ينبغي تبيانُ مواطن القوة الذاتية الفلسطينية لاستثمارها والبناء عليها، وهذا بالضرورة يذهب إلى ما هو أبعد من جوهرية (وأهمية) الوجود والصمود الفلسطيني أمام محاولات الاقتلاع. فهذا الوجود والصمود بحاجة إلى مدعّمات وتغذية وتعزيز ليتحوّل من فعلٍ مستقبِل إلى فعلٍ رافد، وليتحوّل من فعلٍ ساكن إلى فعلٍ منخرط، وليتحوّل من فعلٍ مضاد إلى فعلٍ مبادر، ومن دوائر ردّة الفعل إلى دوائر الفعل. فالدور التحويلي والتغييري للوجود والصمود الفلسطيني، وهو أحد أهم مواطن القوة الذاتية الفلسطينية، ما زال ينتظر وجود بوتقات مؤسّساتية ورؤية قيادية وأدوار تكاملية وقنوات فعل سياسية، من أجل بلورة هذا الأساس المتين وتحويله إلى موطن قوة فعّال يبني على الميّزات التنافسية (بلغة الاقتصاد) للفلسطينيين بوصفهم مجتمع حراك اجتماعي قادراً على تحويل القوة إلى أدوات فعل إن توفّرت الشروط الموضوعية والذاتية لذلك، كالقيادة والمؤسّسات والرؤية والتشاركية والمحاسبة. وهذه ليست أفكاراً بعيدة المنال، لكنّها تتطلّب تغيير اتجاهات بوصلة الفعل السياسي الفلسطيني ليكون مجابهاً مشتبكاً ندّيّاً يبني على مواطن قوته الذاتية بعد تبيانها والاستثمار بها.

وعليه، تبدو مهمّة بناء "مصفوفة مواطن القوة الذاتية الفلسطينية" ملحّة أكثر من أيّ وقت مضى، خصوصاً بعد عامَين من الإبادة. يجب أن تكون هذه المصفوفة نتاج عمل جمعي، وهي مصفوفة حيّة لن تأتي بما هو عجائبي، بل تؤطّر مواطن القوة الفلسطينية الموجودة من رأسمال بشري واجتماعي، ومجتمع مدني منخرط وفاعل، وآليات صمود ومقاومة، وأنماط ريادية في قطاعات شتى، وشرائح مجتمعية مهمّشة قادرة على التغيير... والقائمة تطول. فبعد الحالات العديدة من الانكسار والضعف والتيه، تشكّل مصفوفة كهذه مدخلاً مهمّاً من أجل بناء "قائمة الأمل" في غمرة الألم كلّه.

يشكّل "ميثاق الحرية" أرضيةً وهدفاً لحوار وطني فلسطيني نقدي وشامل في طريق إعادة الإعمار

"قائمة الأمل" هذه يمكن أن تشكّل مرجعاً لتغذية الفعل الفلسطيني، وتعرض مواطن قوة ذاتية للاستثمار والبناء، وتذكّر الفلسطينيين أنفسهم أولاً ببعضٍ ما عندهم، الذي سعى العديد من الفاعلين الدوليين والمحلّيين إلى نزعه منهم على مدار العقود الماضية. حان الوقت لاستعادة مواطن القوة بالمعنى العملي والعيني، وتوسيع قاعدة القوة الذاتية والتمكين من أجل التغيير التحويلي المستدام والبعيد عن الاحتفاء اللحظي، بما فيه ذلك المادي بإعادة إعمار الأبنية، فتلك كما شهدنا مراراً وتكراراً عرضة للهدم السريع، ولكن مواطن القوة العضوية والمجبولة بالقدرة والميزة الفلسطينية لا يمكن أن تنسلخ منهم، بل هي تتعزّز إن تحوّلت من قوة ذاتية للصمود والوجود إلى قوة تحويلية تبني أساساً يضع الإنسان في جوهره فاعلاً قادراً على التغيير، لا متلقٍّياً قابلاً للتعايش.

ولتعزيز أضلاع "مصفوفة مواطن القوة الذاتية الفلسطينية" و"قائمة الأمل" وتحصينها وتقويتها، ثمّة ضلع ثالث، تأطيري وناظم بطبيعته، بحاجة إلى التبلور. يتمثّل هذا الضلع آنيّاً بضرورة العمل على سرعة إصدار "ميثاق غزّة" لتحديد الخطوط العريضة والمبادئ التوجيهية والأسس الرقابية ونهج الملكية المحلّية لرسم مستقبل غزّة، مسترشداً بما خطّه المجتمع المدني الفلسطيني على مدار العامَين الماضيَين، ليشكّل بوصلة للمضي في طريق مغاير ومجابه لما يُحاك للفلسطينيين اليوم في غزّة وما بعدها.

يشكّل "ميثاق غزّة" هذا فصلاً من ميثاق أكبر يمكن تسميته بـ"ميثاق الحرية"، الذي يمكن أن يشكّل أرضيةً وهدفاً لحوار وطني نقدي وشامل يتبنّى نهجاً شموليّاً لطريق إعادة الإعمار، ليشمل بالضرورة إعادة الإعمار السياسي وإعادة بناء الوكالة والفاعلية السياسية المرتكزة على الناس والجماهير، والمعزِّزة لمواطن القوة الذاتية الفلسطينية، والقادرة على تخيّل رؤى لمستقبل متحرّر يقرّر فيه الفلسطينيون مصيرهم بأنفسهم وصياغتها.

F5CB8409-A449-4448-AD7A-98B3389AADB7
علاء الترتير

كاتب فلسطيني، مدير البرامج في شبكة السياسات الفلسطينية، وباحث في المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف. عمل باحثاً ومدرّساً في جامعة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية والتي حصل منها على الدكتوراه.