إعادة تعويم العنف السوري
لم يعد العنف في بلد مثل سورية، يحاول الخروج من سنوات حربٍ دامية، مجرّد نتيجة لتلك الحقبة، ولا امتداداً طبيعياً، بل تحوّل مع الوقت إلى بنية قائمة بذاتها، ممأسسة تُصاغ بين مراكز قوى داخلية إلى جانب الفاعلين الإقليميين والدوليين. ولطالما أُعيد "تعويم العنف" وسيلةً وأداةً بيد السلطة الحاكمة وصفةً ناجعةً في عملية إنتاج الولاءات تحت عصا الخوف. على هذا، لا تبدو السلطة الحالية في دمشق متعاملة مع العنف بعدّه إرثاً يجب تجاوزه، بل بوصفه رصيداً سياسياً يمكن إعادة تدويره متى احتاجت. وقد يكون الإسراع في محاكمة عاطف نجيب (المسؤول الأمني السابق في درعا في بدايات الثورة عام 2011)، والقبض على مَن بات يُعرف بـ"سفّاح التضامن"، جزءاً من توجّه حكومة دمشق إلى إعادة ترتيب أدواتها، ولو كان هذا يذكّر بماضٍ مؤلم كان يفترض أن تقطع معه، لا أن تقلّده، فضلاً عن سعيها إلى إعادة توجيه العنف بدل تفكيكه، لا سيّما بعد التحرّكات المطلبية أخيراً التي شهدتها دمشق وغيرها من المدن السورية جرّاء الضغط المعيشي الذي لم يعد يُحتمل.
ليست الذاكرة مجرّد استعادة للماضي، بل هي مجال للصراع حول من يملك الحقّ في روايته
بعد عام ونصف العام على سقوط النظام السابق، بدا كأنّ سورية تتّجه فعلاً نحو مرحلة جديدة من تاريخها، وبدلاً من أن يُعاد إحياء مقوّمات التعايش بين أبناء الشعب، يبدو أنّ الأمور تتّجه إلى الاستثمار في العنف، والاشتغال على تدوير الماضي بما يتناسب مع المستجدّات الداخلية، الأمر الذي يضعنا أمام سؤال مصيري من شأنه محاكاة ما تنتظره هذه البلاد في المستقبل القريب: هل نحن أمام عدالة انتقالية أم إعادة تعويم العنف عبر إعادة صياغته بما يخدم السلطة الحالية؟
لم يكن سجن صيدنايا مجرّد مكان لتنفيذ الأحكام القضائية بحقّ المحكومين، بمَن فيهم معارضو النظام السابق، بل شكّل رعباً لدى غالبية السوريين، لا سيّما خلال سنوات الحرب، إذ تشكّلت حوله سرديات الخوف والانكسار، حتى تحوّل بعد السقوط إلى أحد أكثر رموز العنف حضوراً في الذاكرة السورية المعاصرة. وإعادة فتح ملفّاته (لم تُغلق أصلاً، بل انتشرت في منصّات التواصل الاجتماعي، وبرزت في كثير من التحقيقات الرسمية وغير الرسمية، ومع ناشطين غير مخوَّلين التقوا معتقلين سابقين) لا يمكن النظر إليها ببراءة آليةً لكشف انتهاكات النظام السابق أو لفتح ملفّات العدالة. علماً أنّ سرّية التحقيق تُعدّ من أولويات القضاء لضمان النزاهة وتحقيق العدالة، بما يؤدّي إليه ذلك من القبض على المجرمين ومحاسبتهم من دون تدخّل أطراف خارجية يمكنها التأثير في مجريات الحدث.
لكنّ المراقب لا بدّ من أن يجد نفسه أمام انتقائية تمارسها السلطة الحالية، تحمل في طيّاتها رسائلَ متعدّدة، للداخل: نحاسب الماضي، وللخارج: السلطة مستعدّة للتعامل مع ملفّات حساسة كهذه، وكشفها. إلا أنّ العشوائية (والفوضى) التي تُدار بها تلك الملفّات، وتدخّلات ناشطين وإعلاميين غير مبرّرة، من شأنها حرف مسار العدالة، وإظهار العملية وكأنّها إعادة توظيف للذاكرة الجمعية بصورة تعيد تشكيل التضامن الجمعي مع القوة التي سوف تثأر لهم. فالذاكرة هنا ليست مساحةً للشفاء من جروح الماضي، بل أداة سياسية لتثبيت السلطة والحفاظ على الولاءات، فيغدو الماضي، بكلّ ما حمل من مآسٍ وأوجاع، مادّةً لإنتاج الحاضر، لا عبئاً يجب التخلّص منه.
يرى الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، في كتابه "المراقبة والمعاقبة... ولادة السجن" (نقله إلى العربية علي مقلد، دار صفحة 7 للنشر والتوزيع، الجبيل، 2022)، أنّ السلطة الحديثة لا تمارس العنف عبر القمع المباشر فقط، بل عبر تقنيات الضبط التي تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، وهو ما ينطبق على الحالة السورية حين يتحوّل السجن (صيدنايا) من مكان للعقاب إلى مؤسّسة لإنتاج الطاعة وإعادة تشكيل الذاكرة الجمعية، مع تأكيد حقّ الضحايا في القصاص. غير أنّ الأسلوب والطريقة اللذين تُدار بهما هذه الملفّات من شأنهما إبقاء البلاد على صفيح ساخن ممتدّ منذ عقود.
غالباً ما تلجأ السلطات في البلاد التي تشهد تحوّلاً سياسياً، عقب الثورات ضدّ الاستعمار أو ضدّ الأنظمة، إلى نبش الذاكرة السياسية والاجتماعية، وحتى الشخصية للشعوب، لإعادة استخدامها إمّا لتثبيت حكمها، وإما للحكم على أولئك الذين عايشوا تلك الحقبة. وفي السياق، يشير بول ريكور في "الذاكرة، التاريخ، النسيان" (ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2009) إلى أنّ الذاكرة ليست مجرّد استعادة للماضي، بل هي مجال للصراع حول من يملك الحقّ في روايته. وفي سورية اليوم، تسعى السلطة إلى احتكار الذاكرة والتحكّم بها، وتحويلها أداةً للحفاظ على المكاسب والتأسيس لغد قد لا يرضي كثيرين من السوريين، ولا يتماشى مع طموحاتهم وآمالهم التي خرجوا يوماً ما من أجلها. وما بين شدّ وجذب بين أطراف الصراع السوري، تتشتّت ذاكرة السوريين، ويُطمس بعضها ويُشوَّه الآخر، بينما تغيب الحقيقة بغياب أصحابها وحامليها بالموت أو التغييب القسري، وربّما بالخوف من النطق بها.
تتجاوز العدالة الانتقالية أن تكون إجراءات قانونية إلى اعتبارها أساساً تُبنى به الثقة بين الدولة والمجتمع
ما يحدث في سورية اليوم ليس قطيعةً مع الماضي، بل إعادة تعويم للعنف الذي لم يُدفن بعد، ويُعاد تلميعه وتقديمه أداةً حكم، ووسيلةً لإعادة إنتاج السلطة، وآليةً لإدارة المجتمع. إعادة فتح ملفّات مثل ملفَي سجن صيدنايا ومشفى تشرين العسكري، ومحاكمة بعض رموز النظام السابق ممَّن أُخرجوا مبكّراً من دائرة السلطة، مقابل تبييض صفحات آخرين، لا تشكّل خطوةً في اتجاه العدالة المنشودة. فالعدالة، كما أشار المفكّر السوري الراحل صادق جلال العظم، "لا تتحقّق بانتقاء الجناة، بل بكشف البنية التي أنتجتهم".
تقوم العدالة الانتقالية التي تسعى السلطات السورية إلى إنجازها في جوهرها على أربعة أسس: كشف الحقيقة، والمحاسبة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار. وهي تتجاوز أن تكون إجراءات قانونية إلى اعتبارها الأساس الذي تُبنى به (ومن خلاله) الثقة بين الدولة والمجتمع. لذلك، وعلى حدّ قول بول ريكور، لا بدّ لتحقيق العدالة من إنصاف الذاكرة، بكلّ ما يعنيه ذلك من التزام بالأسس التي تقوم عليها. أمّا تحويل العدالة الانتقالية إلى أداة سياسية تارّةً، وانتقامية انتقائية تارّةً أخرى، فيفقدها المعنى (والمغزى) الذي وُجدت من أجله، وتصبح أداةً لإدارة الذاكرة، لا مشروعاً لمواجهة العنف والحرص على عدم تكراره.