إعادة الاعتبار للانتفاضة

إعادة الاعتبار للانتفاضة

16 مايو 2021
الصورة

(إسماعيل شموط)

+ الخط -

خلال الجولة الحالية من العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين عموماً، وليس على غزة بوجه خاص، ظهرت معطياتٌ كثيرة لا بد من البناء عليها في المستقبل، وليس أهمها القدرة الصاروخية لفصائل المقاومة الفلسطينية. فعلى الرغم من أهمية الترسانة العسكرية التي راكمتها الفصائل في غزة، وما أثبتته من قدرة على خلق حالة من الردع أو التوازن العسكري، رغم الهوة الكبيرة بالمقارنة مع السلاح الإسرائيلي، ولا سيما الجوي، إلا أن هناك ما هو أهم وأثبت قدرته على إيقاع ألم أكبر في الساحة الإسرائيلية، فحراك الشارع في الداخل المحتل وفي الضفة الغربية كان له وقع يفوق ما أحدثته صواريخ المقاومة، بعدما وضع دولة الاحتلال أمام مشهد انهيار من الداخل، وهو ما كان يخشاه المسؤولون الإسرائيليون منذ سنوات، وتمثل أمامهم في الجولة الأخيرة من الحرب على قطاع غزة.

الهبّة الكبيرة التي شهدتها مدن ما يسمى "الخط الأخضر"، أي الواقعة تحت سيطرة إسرائيل منذ 1948، هي الكبرى حالياً منذ هبّة أكتوبر 2000 والتي ترافقت مع اندلاع الانتفاضة الثانية. واتسعت رقعتها إلى غالبية المدن المختلطة التي يعيش فيها فلسطينيون وإسرائيليون، ما شكّل ضغطاً على المسؤولين العسكريين في دولة الاحتلال، والذين بدأوا يفكرون، بحسب ما سرّبت الصحف الإسرائيلية، بوقف العدوان على غزة للالتفات إلى الجبهة الداخلية التي تحولت إلى الخطر الأساس بالنسبة إليهم.

وتثبت الهبّة التي تجري في الداخل الفلسطيني، والتي تتكرر دائماً عند أي حدث مفصلي له علاقة بالقضية الأم، أن كل مشاريع الأسرلة التي قامت بها دولة الاحتلال خلال العقود الماضية، فشلت في فصل فلسطينيي الداخل عن قضيتهم، رغم خروج بعض الأصوات من بينهم تطالب بالهدوء والعيش المشترك، إلا أنها تبقى أصوات أخفت من أن تسمع وسط المشهد العام في الأراضي المحتلة عام 1948.

كذلك، تعيد الهبة الشعبية، سواء داخل الأراضي المحتلة عام 1948 أو في الضفة الغربية،  الاعتبار لقدرة الانتفاضة الشعبية على الضغط على دولة الاحتلال، فما شهدته الضفة الغربية غير مسبوق منذ الانتفاضة الثانية، ويخرق كل تفاهمات التنسيق الأمني القائمة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، والتي كانت تعمل بشكل حثيث على إحباط أي نواة تحرك شعبي أو عسكري في الضفة الغربية المحتلة. إلا أن ما حدث في الأيام الماضية أظهر أن تنسيقاً كهذا لن يكون كافياً لاحتواء الغضب الشعبي، وهو ما دفع قوات الأمن الفلسطيني إلى التراجع عن مواجهة المتظاهرين.

إعادة الاعتبار للحراك الشعبي هو المعطى الأساس الذي يجب البناء عليه في أي تحركات نضالية فلسطينية في المستقبل، فالعدوان على غزة قد ينتهي في غضون أيام أو ساعات، بحسب ما تظهره الاتصالات الدبلوماسية والدخول الأميركي على الخط، إضافة إلى عدم مصلحة أي طرف في استمرار التصعيد العسكري. لكن نهاية العدوان لن تنهي أساس الأزمة، وهو الممارسات الإسرائيلية في القدس المحتلة، ومحاولة تهجير أهالي "الشيخ جرّاح"، فالعدوان على غزة والعمليات العسكرية للمقاومة ستكون قريباً خاضعة لتفاهمات دولية وعربية جديدة، غير أن الاحتجاج الشعبي الذي بدأ في القدس، وتمدد في أراضي عام 48 والضفة الغربية، لا يخضع لتفاهمات كهذه، ولا بد أن يسير في منحىً متواصل، من غير الضروري أن يكون متصاعداً، لكن من المهم أن يكون مستمراً على الأرض.

لهذا الحراك ما يبرّره، فأساسه لم يكن العدوان على غزة بالدرجة الأولى، على الرغم من أن هذا العدوان زاد زخمه والصواريخ أعطته دفعة معنوية كبيرة، فالانتهاكات الإسرائيلية في القدس لم تتوقف، وهو ما يفترض البحث شعبياً وحزبياً عن تطوير مثل هذا الحراك، ليكون إعادة اعتبار حقيقية للانتفاضة.