إسرائيل .. نظام أبارتهايد جديد

إسرائيل .. نظام أبارتهايد جديد

02 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

كشفت الحرب الرابعة بين إسرائيل وحركة حماس عن مقاربة جديدة في التعاطي مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ومن خلفه الصراع الإسرائيلي العربي، تتمثل في إنهاء نظام الأبارتهايد الجديد في فلسطين المحتلة. وبالرغم من أن هذا النظام قديم قدم قيام الكيان الصهيوني الذي يقوم أصلاً على أيديولوجية عنصرية مقيتة، إلا أن الجديد فيه انكشافه للعالم، إلى درجة أن وزير خارجية دولة صديقة لإسرائيل، مثل فرنسا، خصوصاً في ظل حكم رئيسها اليميني الحالي، ماكرون، حذّر من مخاطر أن تشهد الدولة العبرية "فصلاً عنصرياً"، على خلفية ما شهدته فلسطين التاريخية أخيراً من تصاعد في الصراع بين اليهود والعرب في المدن والبلدات العربية والمختلطة، طوال أيام الحرب الأحد عشر على غزة.

كلمة "أبارتهايد" التي طالما كان محرّماً استعمالها في وصف نظام الاحتلال الإسرائيلي سوف تأتي، هذه المرة، في تقرير منظمة حقوقية إسرائيلية، هي منظمة "بتسليم" التي وصفت لأول مرة إسرائيل بأنها "دولة فصل عنصري (أبارتهايد)". وتكرّر الوصف نفسه في تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش، التي تعتبر أول مجموعة حقوقية دولية تتهم السلطات الإسرائيلية، رسمياً، بارتكاب جرائم الفصل العنصري ضد الفلسطينيين. وقبل صدور تحذير وزير الخارجية الفرنسي، لودريان، سبقه مسؤولون إسرائيليون، مثل باراك وأولمرت وتسيبي ليفني، بل ووزير خارجية أميركا السابق جون كيري، والرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، إلى دقّ ناقوس الخطر من أن الكيان الإسرائيلي يسير في اتجاه بناء نظام فصل عنصري، إذا استمرّ في الحفاظ على سيطرته على الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وحصاره قطاع غزة. ولكن بعد عشر سنوات على صدور تلك التحذيرات، ومع تعاقب حكومات يمينية متطرفة في إسرائيل شرّعت لإقامة "الدولة اليهودية" الخالية من كل الأعراق والأديان، أصبح إدراك وجود هذا الخطر حقيقة واقعة، وأصبح نظام الفصل العنصري لا يوجد داخل الكيان الصهيوني والبلدات المختلطة فقط، وإنما يمتد إلى الأراضي المحتلة في الضفة الغربية وفي قطاع غزة، حيث توجد صوره الأكثر بشاعة. وبعيداً عن المقاربات الكلاسيكية التي جرى تجريبها بعد الحروب الثلاث السابقة بين إسرائيل و"حماس"، والتي كانت تسعى، بعد كل هدنة، إلى البحث عن شروط إطالة أمدها، فإن الحرب أخيراً، والتي عرّت حقيقة هذا النظام العنصري، تتطلب مقاربة جديدة في تعاطي العالم مع هذا الصراع، والاعتراف بأنه صراع وجود بين نظام تطهير عرقي يقوم على أيديولوجية عنصرية وشعب محتلة أرضه، من حقه المقاومة لاسترجاع حقوقه وصيانة كرامته.

أسس لمعادلةٍ جديدةٍ لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي لا يجب منذ الآن أن يُختزل في مقاربة حماية أمن الإسرائيليين مقابل حق العيش للفلسطينيين

أما البحث الجاري اليوم عن وضع حلٍّ للنزاع من خلال الصيغ الجاهزة، وتجويد شروط الهدنة ومتطلباتها، كما كان يحدُث بعد الحروب السابقة، فلن يؤدّي سوى إلى إسكات صوت المدافع شهوراً أو سنوات أخرى، قبل أن تنفجر المواجهة من جديد. تجنّب حرب خامسة، وربما سادسة، بين الفلسطينيين والإسرائيليين، يبدأ من الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في العيش حياة حرة وكريمة، فوق كل شبر من الأرض التاريخية لفلسطين، بدون تمييز بسبب الدين أو العرق كما يحدث اليوم. بعد الأداء الشجاع لمقاومة الفلسطينيين 11 يوماً من المواجهة العنيفة، وما أظهرته إرادتهم من أساليب جديدة في تحدّي الاحتلال في الضفة الغربية وداخل الكيان الصهيوني، مطلوب من الجميع، وخصوصاً المنتظم الدولي، البحث عن حلول شجاعة، تستدعي إعمال الخيال، للبحث عما وراء تثبيت الهدنة الحالية وإطالة أمدها. وأول هذه الحلول تتمثل في الرفع الكلي للحصار الإسرائيلي المصري عن قطاع غزة، إذ لم يعد يُقبل أن يستمر خنق أكثر من مليوني فلسطيني داخل نحو 360 كيلومتراً مربعاً، أي سجن مفتوح، حيث وضع الإنسان داخله أسوأ بكثير من وضع سكان الغيتوهات في عهد نظام الأبارتهايد البائد في جنوب أفريقيا.

لقد وضعت الحرب أخيراً، بفضل بسالة المقاومة الفلسطينية والتفاف كل أطياف الشعب الفلسطيني حولها، بمن فيهم الذين يعيشون داخل الكيان الصهيوني ويحملون جنسيته، أسس معادلةٍ جديدةٍ لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي لا يجب منذ الآن أن يُختزل في مقاربة حماية أمن الإسرائيليين مقابل حق العيش للفلسطينيين، وإنما في البحث عن نهج جديد يقوم على الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني كاملة، من حقه في الوجود فوق أرضه، وإقامة دولته الحرّة والمستقلة، وتمتّعه بكل شروط الحياة الحرّة والكريمة.

تعاقبت حكومات متطرّفة في إسرائيل شرّعت لإقامة "الدولة اليهودية"

وفي المقابل، استمرار الوضع كما هو قائم، والاستمرار في وضع "رتوشات" لإدامة الهدنة أو إطالة عمرها، فهو لن يزيده إلا تفاقماً. فبعد زهاء 28 سنة من توقيع اتفاقات السلام في أوسلو، وما تبعها من خداع مفاوضات عملية السلام، لم تؤدّ سوى إلى تكريس نظام الفصل العنصري الإسرائيلي على كل تراب فلسطين التاريخية. وإذا لم يتم الاعتراف بالطابع العنصري لهذا النظام، والعمل على إنهاء كل صيغه القانونية والإدارية وتجسيداته على أرض الواقع التي يمثلها حصار غزة وجدار الفصل العنصري والمئات من الحواجز المذلّة والمهينة لكرامة الفلسطيني، فإن كل مقاربات الحلول التي تضع سقفاً لها إنهاء الاحتلال في الضفة وغزة، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على ما تُسمى أراضي 1967، ستصبح مجرّد مضيعة للوقت، تستغله الآلة الصهيونية العنصرية، لتكريس نظام فصلها العنصري. وفي هذه الحالة، يجب انتظار قيام حرب خامسة ستكون أشدّ وأقوى من كل الحروب السابقة.