إسرائيل... مصرياً وسورياً
ينزع الطفل الفلسطيني، نور غانم، فرادة ولادته قبل تسعة أَعوام، في مستشفى، أُخذت إِليه والدته مقيّدة، من سجنٍ كانت أَسيرة فيه، ثم فكَّ جنود الاحتلال قيودها، إلى أَن أَنجبت، ثم أُعيدت، برفقة نور، إِلى زنزانة الاحتلال، وهناك، مكث عامين، وصار أَصغر أَسير في التاريخ. يتنازل هذا الفتى، الآن، عن استثنائية حكايته، المفرطة في شجاها، لصالح حرية، المولودة المصرية التي أنجبتها والدتها، دهب حمدي، في مستشفى قاهري، سيقت إِليه، من سجن كانت محتجزة فيه، مقيدةً بـ"كلبشات"، ظلت موثوقة بها في أَثناء الولادة. لم يعد يحقّ، لنور، ولا لنظيره الفلسطيني أَيضاً، وائل نور طه، والذي وضعته أُمه في مستشفى سجن الرملة، قبل ثلاثة عشر عاماً، أُتي بها إِليه من السجن، ثم فك شرطةٌ إِسرائيليون قيودها، قبل ربع ساعة من إِنجاب وليدها، لم يعد يحق لهما أَن يُحاججا أحداً بأن ولادتيهما كانتا استثنائيتين تحت نير الاحتلال الصهيوني. ببساطة، لأَنَّ دهب لم تحظ بفك قيودها في أَثناء إِنجابها.
إِذ بزّت ممارسات السلطة الحاكمة في مصر، القضائية والشرطية، ممارسات عسفٍ إِسرائيلية، في حادثة دهب حمدي ورضيعتها حرية، فإنَّ المراقب تُدهشه مشابهةٌ راهنةٌ بين وفيات سجناءَ في زنازين مصرية وإسرائيلية، فقد قضى صفوت خليل وسامي إِبراهيم، قبل أَسابيع، بعد منع الأَدوية عنهما، وامتناع العلاج لهما، وكانا مصابيْن بالسرطان. وهذه الجريمة نفسها التي ذهب ضحيتها، قبل أشهر، الأسرى الفلسطينيون، ميسرة أَبو حمدية وعرفات جرادات وحسن الترابي.
بعيداً عما "يحدث في مصر الآن"، وقريباً منه، ثمّة فداحةٌ شديدة الإيلام في سوريا، من تفاصيلها، أن النظام الحاكم هناك يأخذ بالنهج الإسرائيلي نفسه، في التقتيل والفتك والتمويت. ومن الجارح الأشدّ وقعاً أَن أعداد ضحايا النظام المذكور من السوريين (والفلسطينيين)، في السنوات الثلاث الماضية تفوق أعداد الفلسطينيين والعرب الذين استشهدوا في اعتداءاتٍ وحروبٍ إسرائيلية منذ 1948، وأجاد الكاتب، ماجد كيالي، في توثيق إحصائياتٍ تؤكد هذه الحقيقة الشنيعة. ومن تعابير النهج المشار إليه، أنَّ الأسد الأب اتّبعه في مقتلة حماه الدامية، (مرت ذكراها الثالثة والثلاثون قبل أَيام)، عندما لم يكترث، في معاقبة (أَو قتل) نحو ثلاثمائة من الإخوان المسلمين في مدينة النواعير البديعة، لقتل أزيد من 30 ألف بريء في حاراتهم ومنازلهم، في تلك الجائحة غير المنسية. إنه الفعل ذاته الذي يقترفه نظام الابن في حمص، مثلاً، عندما لا يأبه، من دون أي حساسية في إزهاق أرواح مدنيين في بيوتهم وزواريب مدينتهم، في أثناء استهداف ثوّار مسلّحين، في المكان. وجاءت لافتةً، في دراسة جديدة للمؤرخ وليد الخالدي، إشارتها إلى أن استخدام البراميل العمياء على رؤوس الأنام كان ابتكاراً صهيونياً، لمّا ضربت بها عصابات الهاغاناه، قبيل النكبة، فلسطينيين في حيفا. ولمّا شهدت مداولات مؤتمر جنيف، بين الائتلاف السوري المعارض والنظام، تشديداً من الأخير على أولوية البحث في قضية الإرهاب، فذلك يضطرنا، غصباً عنا، إلى أن نستدعي السلوك الإسرائيلي نفسه، في المفاوضات إياها مع الفلسطينيين، كما اضطرتنا كلبشات دهب حمدي إلى استدعاء تعبيراتٍ إسرائيلية، ما انفكت تتراكم في غضون المحنة السورية الباهظة الوطأة، والملهاة المصرية الرديئة.