إسرائيل في طريقها إلى خسارة المظلوميّة

13 نوفمبر 2025
+ الخط -

اختفت شخصية إسرائيلية فجأة، وجرى البحث عنها بأمر من الجيش، وساد الاعتقاد أنها انتحرت. هي يفعات تومر يروشالمي، المستشارة القانونية السابقة للجيش الإسرائيلي. ويعود الاهتمام بمصيرها إلى ما ارتكبته من "جريمة بحق الجيش الإسرائيلي"، فهي نشرت شريط فيديو، "سرّي"، يظهر المعاملة الوحشية التي يتعرّض لها السجناء الغزّيون في معتقل سديه تيمان السري. أقيم هذا السجن بالقرب من غزّة، وكانت أخبار قد تسرّبت عنه، وعن وحشية سجّانيه الفادحة.

لكن المدّعية العامة السابقة وُجدت في أحد الشواطئ البحرية، بعد مرور خمسة أيام على اختفائها. ألقي القبض عليها، وجرى التحقيق معها لمخالفتها القواعد العسكرية. بعد التحقيق، أمرت المحكمة بإطلاق سراحها بكفالة مالية، وفرضت عليها الإقامة الجبرية عشرة أيام، ومنعتها من التكلم مع أشخاصٍ محدّدين شهرين. تفاصيل التُّهم باللغة الرسمية: "نشر معلومات سرّية"، و"تعريض الأمن الوطني للخطر"، و"إساءة أمانة". لكن التعليقات غير الرسمية على الحادثة تُجمع على أن مخالفة المستشارة السرّية العسكرية "ضربة كبيرة لسمعة الجيش الإسرائيلي"، وبأنها "أسوأ كارثة تطاول صورة إسرائيل".

ما المادة التي صنعت هذه الصورة؟ إنها صورة "الجيش الأكثر أخلاقية في العالم". وقد بنتها إسرائيل حجرة فوق حجرة، على أسس المظلومية اليهودية، العائدة إلى المحرقة (الهولوكوست)، على يد النازية؛ الجيش الذي قام من رماد المحرقة ليبني حصناً منيعاً للمظلومين اليهود... "الجيش الأكثر أخلاقية في العالم"، تنسفه مستشارته القانونية. بنشرها فيديو تقول إن هذا الجيش "لم يعُد أخلاقياً"، فتفرِّغ المظلومية من معناها الأول. تضرب هذه المظلومية، تنزع عنها الحقّ بمزيد من القتل.

الذين يزيلون صفة احتكار المظلومية هم أناس شاهدوا كم وضعت لخدمة ظالمة

في مكان آخر من الكوكب، ومنذ أيام أيضاً، في أمستردام، تُقرر إدارة صالة "القاعة الموسيقية الملكية" (كونسرتخيوج)، إلغاء حفل غنائي إسرائيلي ينظَّم بمناسبة عيد الحانوكا اليهودي. وهذا الحدث ليس جديداً، سبقه إلغاء حفلات إسرائيلية مماثلة في بلجيكا وبريطانيا وحتى الولايات المتحدة... وكل مرّة بسبب ارتباط قائد الأوركسترا أو الموسيقيين أو المغني بالجيش الإسرائيلي. وهذه المرة في أمستردام، الأمر لا يختلف. الحفل أُلغي لأن المغنية التي ستحييه هي شاي أبرامسون، عسكرية سابقة في الجيش الإسرائيلي، برتبة مقدّم، وعُرِفت بوصفها منشدة أغانيه.

المختلف هذه المرّة ما كتبه على "إكس" أميخاي شيكلي، وزير الدياسبورا الإسرائيلي، تعليقاً على إلغاء الحفلة. قال: "في ظل الحكم النازي عام 1940، صدر مرسوم يقضي بطرد كل الموظفين اليهود من المؤسسات الهولندية. والشخص الذي وقّع على هذا المرسوم (بالمنع) كان سيمون رينكين، وهو جدّ المدير الحالي للقاعة الموسيقية الملكية، الذي طردنا منها اليوم". ويذكر أميخاي شيكلي، في المنشور نفسه، أن اليوم الذي يُمنع إسرائيليون من الغناء والعزف في أمستردام، يصادف الذكرى الـ87 لـ"ليلة البلور" (الكريسْتال) عام 1938، المعروفة بأولى موجات العنف في ظل الحكم النازي ضد اليهود؛ أحرقت فيه الكُنس (جمع كنيس) والمقابر اليهودية، ونُهبت المتاجر، ورُحِّل عشرات الآلاف من اليهود إلى معسكرات الاعتقال. وتعتبر هذه الليلة المحطة الأولى للمحرقة اليهودية، الهولوكوست. اللحظة التأسيسية للمظلومية اليهودية اللاحقة.

المحيط الذي يحب إسرائيل نالته أيضاً مراجعة المظلومية اليهودية

المثلَان الإسرائيليان أعلاه ليسا فريدين من نوعهما. ما يشد الانتباه إليهما أن المظلومية اليهودية على يد النازية صنعت صورة عن البراءة اليهودية، عاشت طويلاً، وغطت على الجرائم الأولى واللاحقة التي ارتكبتها إسرائيل ضد الفلسطينيين. صورة "الجيش الأخلاقي" أيضاً، حامي اليهودي المظلوم، تحمي المجرمين، تبيّض صفحتهم. ولها كلها جذرٌ واحد: المحرقة. والتهمة التي تخرج أوتوماتيكياً أن الذي يشنّعون بسمعة الجيش الإسرائيلي أو يطردون فنانيهم هم أشخاصٌ غير ساميين، يكرهون اليهود كرهاً وجودياً لا عودة عنه، كما كرههم النازيون. ولكن هؤلاء لا ينتبهون إلى أن المحيط الذي يحب إسرائيل نالته أيضاً مراجعة المظلومية اليهودية.

لدينا مثلان أميركيان عنهما: أولهما، الإنجيليون المسيحيون الذين ساندوا إسرائيل تاريخياً لأسباب ثيولوجية دينية خاصة بهم. وتصدر الآن عنهم مواقف ناقدة لها بشدة. وراء ذلك جيل الشباب الإنجيلي والتحولات الأيديولوجية في وسطهم. وهؤلاء يقرأون الإنجيل بغير الرؤى التي اعتمدها أسلافهم، والقائلة بالوعد الإلهي لإسرائيل. بعد حرب غزّة، ينكبّ هذا الجيل الجديد على نقد ما يرونه السردية الإسرائيلية التي تستخدم الهولوكوست لتغذية احتكارها السياسي المظلومية، وارتكابها الجرائم باسمها.

المظلومية اليهودية على يد النازية عاشت طويلاً، وغطت على الجرائم الأولى واللاحقة التي ارتكبتها إسرائيل ضد الفلسطينيين

ثاني المثلَين: إنفلونسر أميركي من اليمين المتطرّف، صاحب شعبية وسط الشباب، قريب من دونالد ترامب، يقترع له، ويدافع عن سياسته، وعن رأيه باليسار والنسوية ومجتمع الميم. إنه الشاب نيك فيونتس، عشريني، يوتيوبر منتظم، شعبيته متزايدة وسط الشباب اليميني، يحاوره الجمهوريون ويثنون عليه، منهم الإعلامي تاكر كارلسون، المقرّب من ترامب. نيك فيونتس هذا يشيد بالزعيم النازي هتلر، يصفه بـ"رجل الدولة الألماني". يركّز على كراهية اليهود. يسخر من اليهود الذين أُحرقوا في المعسكرات الألمانية، يشبههم بـ"البسكويت المقرْمَش". ويحتج على احتكار اليهود العذاب في الحرب العالمية الثانية، فيقول: "كانت هناك أيضاً معسكرات موت ضد الألمان. كانت هناك معسكراتٌ كثيرة...".

الآن، لا نستطيع أن نقيس حجم الحركتَين الأخيرتَين: الإنجيلية واليمينية المتطرّفة، لكن يسهل انطباق صفة "اللا سامية" عليهما. فالأولى أصولها الدينية تسمح لها بالنفور من اليهود، أي بالانقلاب من حبّ إسرائيل إلى كراهية اليهود. فيما الثانية، اليمينية المتطرّفة، لا تحتاج إلى توقّع. اللا سامية تنضح من كل كلمة ينطق بها وجهها الجديد الصاعد والحائز على دعم ترامب ونواب من الحزب الجمهوري الحاكم.

وفي المجمل، إذا ابتعدنا عن الرؤى القصوى الأيديولوجية، واضحٌ أن الذين يزيلون صفة احتكار المظلومية هم أناس شاهدوا كم وضعت لخدمة ظالمة. أي في تحوّل المظلوم السابق جلاداً، وسلاحه "الأخلاقي" يقع في ماضيه. ليس هو شخصياً الذي كان مظلوماً إنما أجداده، أي إنه يستثمر في إرثٍ لم يكن له اليد فيه، لكي يقنع العالم بالصيغة التي اعتمدها طوال ثلاثة أرباع قرن من نشأته؛ بطرد الفلسطينيين من أرضهم، بالتنكيل بهم وبقتلهم جماعة... ويتمسّك بعد ذلك بصفته صاحب "أكثر الجيوش أخلاقية في العالم". فيما الموقف الإنساني يلزمنا بما نشاهده ونسمعه في نقل هذه المظلومية إلى مكان أوسع، حيث لا يتم نفي أي من المحارق. يهودية كانت أم أرمنية أم يابانية... بحيث نقف أمام المعادلة الأصح: من ينكر الهولوكوست بحق يهود أوروبا يتساوى مع من ينكر الإبادة بحق الفلسطينيين... فهذا الموقف الإنساني يتطلب منا الاعتراف بأن تجربة الهولوكوست كانت فريدة، كما هو فريد تاريخ العذاب اليهودي في أوروبا القديمة، وبالغيتوات والبوغرومات... ما لا يلغي فرادة العذاب الفلسطيني أيضاً، الذي لم يبدأ بحرب غزّة. إنما يمتد إلى ثلاثة أرباع قرن، منذ النكبة الأولى.