إسرائيل في اللعبة الإيرانية الأميركية

05 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

تعالت التصريحات والتهديدات والتهديدات المضادّة بين طهران وواشنطن مع الذكرى الأولى لاغتيال الجنرال الإيراني، قاسم سليماني، في مطار بغداد مطلع عام 2020، ومعه نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي في العراق، أبو مهدي المهندس، الاغتيال الذي نفذّته طائرات أميركية بعد أيام قلائل من عملية اقتحام السفارة الأميركية في بغداد، إثر قصف طائرات أميركية مواقع تابعة للحشد الشعبي، بعد مقتل متعاقد أميركي في قاعدة عسكرية في كركوك العراقية نتيجة قصف بصواريخ الكاتيوشا.
وهذه جردة سريعة لفهم طبيعة ما يجري اليوم في المنطقة، ففي وقتٍ تعرّضت فيه السفارة الأميركية في بغداد، قبل نحو أسبوعين، لقصف بصواريخ الكاتيوشا؛ بعد هدنةٍ غير معلنة بين واشنطن وطهران، بدأت تحرّكات أميركية عسكرية في منطقة الخليج العربي، تمهيداً لما قيل إنه نية أميركية لتوجيه ضربة لإيران أو مليشياتها، ردّا على القصف الأخير لسفارة واشنطن في بغداد، والذي ربما من المرّات القليلة التي يصيب فيها قصفٌ من هذا النوع مبنى السفارة إصابة مباشرة.

تسعى دولة الاحتلال إلى تدخل فاعل من ترامب، قبل أن يسلم مفاتيح البيت الأبيض لخلفه بايدن

على وقع تلك التهديدات الأميركية، جاء الرد الإيراني أيضاً، متوعداً بالثأر لقاسم سليماني، مع تأكيداتٍ إيرانية أنها غير مسؤولة عن القصف الذي استهدف سفارة أميركا في بغداد أخيرا، وهو الموقف نفسه الذي أعلنته مليشيات عراقية موالية لطهران، تقف عادة وراء تلك العمليات، على الرغم من أن حكومة بغداد أعلنت اعتقال قائد كتيبة الصواريخ التابع لمليشيا عصائب أهل الحق، بزعامة قيس الخزعلي، والذي كادت مليشياته أن تطيح أمن بغداد الهش، عندما نزلت بالعشرات إلى شوارع العاصمة المسكونة بالترقب والقلق، قبل أن تنتهي تلك الصولة بهدنة أخرى غير معلنة لتسوية الموضوع.
اليوم، تشعر وأنت تتابع ما يجري من تحرّكات إيرانية أميركية أن الحرب على وشك أن تقع، فالولايات المتحدة رفعت جاهزية قواتها في العراق، حتى وصلت قاذفات بي 52، بالإضافة إلى البوارج، تقابل ذلك تصريحات إيرانية مشفوعة بتحرّكات عسكرية وصلت إلى حد زيارة مسؤولين عسكريين إيرانيين جزيرة أبو موسى الإماراتية التي تحتلها طهران لتفقد القوات، والإعلان منها عن نية إيرانية للرد على أي هجوم أميركي محتمل. ولعل في إطلاق هذه التصريحات من جزيرة أبو موسى إشارة إيرانية لا تخفى على أحد، مفادها بأن إيران إذا ما تعرّضت لهجوم أميركي، فإن الرد قد يكون باستهداف الإمارات، ناهيك طبعاً عن السعودية، في محاولةٍ إيرانيةٍ لدفع حلفاء الولايات المتحدة في الخليج العربي لثنيها عن أي نيات حقيقية لشن هذه الهجمات.

اليوم، تشعر وأنت تتابع ما يجري من تحرّكات إيرانية أميركية أن الحرب على وشك أن تقع

ليست التهديدات الإيرانية الأميركية المتبادلة جديدة، فهي منذ سنوات تتصاعد، وتصل إلى الذروة قبل أن تعود جذوتها إلى الانطفاء، وكأن شيئاً لم يكن، فكلا الدولتين، أميركا وإيران، تعرفان جيداً حدود اللعبة في هذه المنطقة المشتعلة على الدوام، وكلاهما يجيد مقوّمات لعبة حافّة الهاوية، من دون السقوط فيها، فأي حربٍ في هذه البقعة قد تؤدي إلى نتائج لا يمكن توقعها، خصوصا في ظل ما تملكه واشنطن وطهران من أوراق لعب.
نعم، قد تبدو سياسة حافة الهاوية محفوفةً بالمخاطر، فأي خطأ، قد يكون غير مقصود، سيؤدي إلى السقوط في هاويةٍ لا يمكن معرفة مدياتها، لكنّ واشنطن وطهران، تدركان أن وجودها بات حاجة للآخر، منذ احتلال بغداد عام 2003، والذي أسهمت فيه إيران إسهاماً مباشراً، وصولاً إلى تحالفاتٍ غير معلنة لإدارة الحرب على تنظيم داعش في العراق، ناهيك عن تفاهماتٍ أخرى غير مكتوبة، وغير معلنة، لإدارة تفاصيل اللعبة في سورية، فلا النظام بزعامة الطاغية بشار الأسد يسقط، ولا الثورة تنتصر.
ولكن متغيرا جديدا دخل المنطقة، ودخل أيضا وسط اللعبة الأميركية الإيرانية التي تحكم المنطقة منذ عقد ونصف العقد، هو العامل "الإسرائيلي"، فدولة الاحتلال، ومن خلال تطبيعها مع الإمارات والبحرين، باتت هي الأخرى على مقربةٍ من برميل البارود المشتعل، وهو متغيرٌ قد يؤدّي إلى تخريب اللعبة الأميركية الإيرانية، وقد يسرع بإشعال فتيل الحرب المنتظرة، والتي لا تقع بين واشنطن وطهران، على الرغم من كل التصريحات والتهديدات.

ليست التهديدات الإيرانية الأميركية المتبادلة جديدة، فهي منذ سنوات تتصاعد، وتصل إلى الذروة قبل أن تعود جذوتها إلى الانطفاء

تسعى دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى تدخل فاعل من الرئيس ترامب، قبل أن يسلم مفاتيح البيت الأبيض لخلفه جو بايدن، وهي التي كثيراً ما عوّلت على مثل هذا الفعل طوال السنوات الأربع الماضية، من دون أن يدخل ترامب في لعبتها، على الرغم من كل ما فعله لهذه الدولة، وما قدّمه من خدماتٍ لم تكن لتحلم بها، لعل أولها نقل سفارة أميركا إلى القدس الشريف، وصولاً إلى مرحلة دفع الدول العربية للتطبيع مع تل أبيب.
وجود تل أبيب في اللعبة الأميركية الإيرانية هذه المرة سيكون بغطاء عربي خليجي، فالإمارات، ووفقاً لتقارير عبرية تدرس إنشاء قاعدة إسرائيلية على مياه الخليج العربية، وهو أمرٌ أعلنت إيران أنه سيكون بمثابة اعتداء صارخ على أمنها القومي، بمعنى أن إسرائيل لم تعد بحاجةٍ إلى وجود شخص مثل ترامب في البيت الأبيض، من أجل تنفيذ مخططها بمحاصرة طهران والتضييق عليها، فهي ستكون موجودة بقوة التطبيع الذي حققه لها ترامب.
قد تدفع إسرائيل باتجاه إحراج الولايات المتحدة البايدنية إذا ما اقتضت الضرورة، خصوصا إذا ما سعى الرئيس بايدن إلى التمهيد لاتفاق نووي جديد مع إيران، بمعنى أن اللعبة الإيرانية الأميركية المستمرة منذ 15 عاما قد تفسد في أي لحظة، وبالتالي فإن حوارات التهدئة التي كانت تقودها أطراف خليجية لتبريد المنطقة، مع كل أزمة إيرانية أميركية؛ قد لا تفلح مستقبلاً، خصوصا إذا ما بدأت أعلام إسرائيل تُشاهد في مياه الخليج العربي.