إسرائيل تخسر معركة "كيّ الوعي"

إسرائيل تخسر معركة "كيّ الوعي"

18 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

مع أن المعركة على الأرض والوعي والرواية والصورة، وغيرها من مفردات الصراع التاريخي، بدأت عقب النكبة عام 1948، غير أن مصطلح "كيّ الوعي" لم يجرِ استخدامه بكثافة إلا في خضم الانتفاضة الثانية عام 2000، حين دفع به وزير الحرب الإسرائيلي، آنذاك، إيهود باراك، إلى مقدمة السجال بشأن الغايات النهائية لقوات الاحتلال، من إفراطها في القمع والترويع والقتل، للنشطاء والسكان، بمن فيهم الأطفال والنساء، بقوله إن إسرائيل بصدد كيّ الوعي الفلسطيني بالنار، وتكريس الشعور بالعجز، ومن ثمّة الاستسلام.
في خضم المعركة الجارية منذ مطلع شهر رمضان، من باب العامود إلى المسجد الأقصى إلى الشيخ جرّاح، والمتفاعلة بأشكال متنوعة، في كل فلسطين، من غزة إلى الجليل، تستدعي منا، هذه المرّة، سحب مصطلح كيّ الوعي من الأدراج، وإعادة طرحه للنقاش، بعد أن بدأت عودة الوعي الفلسطيني إلى كامل عافيته تعبّر عن نفسها بأدواتٍ حسّية ملموسة، وباقتدارٍ لا سابق له، وانتقاله من الدفاع إلى الهجوم، بعد ضرب تل أبيب بمئات الصواريخ يومياً، وإغلاق مطار اللد، فضلاً عن اشتعال مظاهر الاحتجاج في الضفة الغربية وفي الشتات.
على أن أبلغ هذه المظاهر، وأعمقها دلالة، تجلى بصورة مدهشة، وبلغ ذروة السنام، حين انخرط شباب عرب 48 وشاباتهم في مشهد الكفاح الفلسطيني العام، على نحو أشد حضوراً، وأوسع تفاعلاً، مما كان عليه الأمر في أي مناسبة مماثلة، حيث دخل الأحفاد على خط النضال المشترك بزخمٍ لافت، وبخطابٍ تجاوز السقوف المعهودة، وهو ما يمكن تدوينه، بثقة، طفرةً في الوعي الوطني الذي اعتقد كثيرون بيننا أنه قد امّحى، أو تبلد على الأقل، جرّاء ما تراكم في الذاكرة من عوامل قهر ويأس، وما تراءى في المحيط العربي من مظاهر اهتراء.
ولعل أكثر من أدركوا مغزى هذا التحوّل في طفرة الوعي بذات الوطنية الفلسطينية، وتخوّفوا من عقابيلها النوعية المحتملة في المدى المنظور، كانوا هم أرباب الدولة العنصرية، ممن قارفوا مختلف أنواع الظلم والتمييز والتغييب ضد العرب الفلسطينيين، حيث اعتبر نتنياهو، مثلاً، ما يجري في القرى والبلدات والمدن العربية المختلطة، من تماثل مع أبناء جلدتهم في القدس وغزة والضفة الغربية، أشد خطورةً مما يحدث على الجبهة الغزّية من مواجهاتٍ ناريةٍ، بندّيةٍ أدهشت الأصدقاء، والمشفقين على ناس القطاع المحاصر، وأذهلت بكفاءتها الخصوم والأعداء.
إزاء ذلك، وعلى خلفية ما يفيض به المشهد الفلسطيني، في هذه الأيام المجيدة، من مظاهر اقتدار وحيوية، واتّحاد عز نظيره، شمل الجليل والمثلث والنقب، يمكن القول، بيقين بالغ، إن مجرى المعركة على الرواية قد تبدّل بصورة نوعية، وإن الوعي بالهوية والوطنية الفلسطينية قد نهض من سباته الطويل، وربح المعركة مبكراً، وفوق ذلك قلب السحر على الساحر.
وليس من شك في أن تواصل ضرب تل أبيب، وسائر أنحاء المدن والمواقع، من محيط إيلات إلى أعلى الجليل، ودخول ملايين إسرائيليين إلى الملاجئ، أياما، قد أسهم في عملية كيّ الوعي بصورة معاكسة، حيث بدت إسرائيل القوية الحصينة، المتفوقة عسكرياً على المحيط الشرق أوسطي، بلدا غير آمن، وعرضةً للقصف الصاروخي، الأمر الذي سيشجع كل من لديه حساب مؤجّل مع الدولة العبرية، في المستقبل غير البعيد، على تكرار الفعلة الغزّية، ربما بصورة أقسى مما امتلكه القطاع المنهك المحاصر من إمكانات متواضعة.
عندما ينقشع غبار العدوان الهمجي على الشعب الفلسطيني، سوف يتساءل كثيرون في إسرائيل، بينهم وبين أنفسهم، سرّاً وعلانية، عما إذا كان العيش فيها، بعد انكشاف ضعفها الاستراتيجي هذا، يستحق هذه المجازفة التي لا نهاية لها، سيما لمن لديهم جنسياتٌ مزدوجة، وبالتالي لديهم خيار الانتقال إلى أوروبا والولايات المتحدة، طالما أن بلاد العسل واللبن الموهومة لم تعد الملاذ المنشود، ولا الواحة الآمنة المستقرّة في صحراء الشرق الأوسط.
قد يكون هذا الاستخلاص مبكّراً بعض الشيء، وقد يكون متعجّلاً، والحرب لم تضع أوزارها بعد، إلا أن السجال المقدّر له أن ينشب عما قريب، داخل مختلف الأوساط والمستويات السياسية والإعلامية الإسرائيلية، سوف يدفع بالأسئلة المكبوتة الآن إلى السطح دفعة واحدة. وفي الخلفية صور تل أبيب تحت القصف، ومطار اللد مغلقا، والملاجئ تُفتح ثم تغلق من دون انتظام، وغيرها كثير من المشاهد الصادمة، لعقلية تحسب أن لديها كل عوامل التفوق، قبل أن يتم كيّ وعيها أخيراً.

45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي