إسبانيـا.. 50 عاماً على وفاة فرانكو
لا يزال بعض الإسبان يتذكّرون تلك اللحظة التاريخية، حين أطل عليهم رئيس الحكومة، وقتها، كارلوس أرْياس نابارّو، صبيحة 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 1975، ليعلن، متأثرا، نبأ وفاة الجنرال فرانثيسكو فرانكو: "أيها الإسبان، لقد مات فرانكو".
على الرغم من انصرام خمسة عقود على وفاته، يبقى الإرث السياسي لفرانكو محط جدل في المجتمع الإسباني. وكان نقلُ رفاته من مقبرة وادي الشهداء إلى مقبرة أخرى في مدريد (2019) قد مثّل أحدَ أكثر فصول هذا الجدل دلالة، إذ لم يكن نقل رفاته إلا دَينا سياسيا ورمزيا، بذل اليسارُ الإسباني الغالي والنفيس من أجل رده، على اعتبار أن "وادي الشهداء" التي يرقد فيها كبار الشخصيات الإسبانية، بُنيت، في الواقع، بسواعد أسرى الحرب الأهلية والمعتقلين السياسيين الجمهوريين ما بين 1940 و1958، بما يمثله ذلك بالنسبة لذاكرةٍ جمهوريةٍ تأبى النسيان.
يعكس هذا الجدل واقعا مركّبا؛ فلا يزال طيفٌ داخل المجتمع يكنُّ التقدير لفرانكو، فقد زار قبره في الأسابيع الماضية آلاف. لا يقتصر هذا فقط على من عاشوا في ظل حكمه، بل حتى على بعض منْ ولدوا بعد وفاته، ممّن يشكلون قاعدة اليمين الإسباني المتطرف. ويؤكد هذا استمراريةَ إرثه السياسي. وقد كانت لافتةً نتائجُ استطلاع رأي أُنجز بمناسبة ذكرى وفاته، أظهرت أن لدى 20% من الشباب الإسباني نظرةً إيجابية حيال الحكم الفرنكوي، وهو ما تكشفه حساباتهم على منصات التواصل الاجتماعي. كما أن كثيرين يرون أن فرانكو كان له الفضل في وضع أسس التطور الاقتصادي الذي سمح بنشوء طبقة وسطى، شكلت لاحقا المحرك السوسيولوجي للتحول الديمقراطي. كما كان له الفضل في تطوير مشاريع البنية التحتية، من دون السهو عن دوره في ترسيخ قيم العائلة داخل المجتمع الإسباني.
في المقابل، لم يقف اليسار الإسباني مكتوف الأيدي أمام مساعي تبييض سجل فرانكو التي يقودها اليمين بطيْفيه، المحافظ والمتطرف، فأطلقت حكومةُ بيدرو سانشيز، الاشتراكية، حملة "إسبانيا حرّة"، احتفاءً بما حققته البلاد على صعيد الحقوق والحريات، فأُقيمت فعالياتٌ لأجل فضح السجل الأسود للحكم الفرنكوي أمام الجيل الجديد، لا سيما في أوساط طلبة الجامعات والمعاهد العليا. وقد أثارت الحملة غضب اليمين الإسباني المتطرّف الذي اعتبرها تستهدف تحقيق مكاسب سياسية وانتخابية. ولم يتردّد رؤساء بلديات وأعضاء مجالس محلية، منتمون إلى حزب " فوكس" اليميني المتطرف، في المطالبة بإقامة نصب تذكاري لفرانكو في مدينة باداخوس، التي كانت مسرحا لواحدة من أبشع المجازر التي ارتكبتها قواته إبان الحرب الأهلية.
أمام هذا التقاطب المجتمعي بشأن إرث فرانكو، انبرت أصوات لتذكير الإسبان بمخاطر العبث بماضيهم المؤلم. ومن ذلك ما كتبه الروائي والكاتب في صحيفة الباييس، خابْيير ثِرْكاس: "أفضل طريقة لمعالجة ذلك، تبقى في محاولة فهم الماضي، بما يمكِّن من تطويعه والحيلولة دون سيطرته علينا، ودفعنا لتكرار الأخطاء ذاتها".
كان التحوّل الديمقراطي في إسبانيا (1976-1981) ثمرة تسوية اجتماعية وسياسية بين النخب والملكية والمجتمع؛ لذلك لم تختف الفرنكوية من مؤسّسات النظام الجديد، فاستمرّ محسوبون عليها في مواقع حسّاسة، لا سيما في الإدارة والشرطة والقضاء والجيش. يُضاف إلى ذلك أن قانون العفو (1977) محا بجرّة قلم مسؤولية نظام فرانكو عن الجرائم التي ارتكبها بحق معارضيه، وهو ما كان بمثابة إفلاتٍ من العقاب، شكل تغطيةً قانونية وسياسية لليمين المتطرّف من أجل إعادة إنتاج الإرث السياسي الفرنكوي. كانت تلك أثمانا سياسية باهظة، كان على اليسار دفعها إنْ هو أراد العبور بسفينة التحوّل الديمقراطي نحو بر الأمان. كذلك ظل فتحُ المقابر الجماعية لآلاف من ضحايا الحرب الأهلية والحكم الفرنكوي مثارَ جدل بين النخب، بالنظر إلى مخاطره على السلم المجتمعي على المدى البعيد.
ويبقى الإرث الفرنكوي بالنسبة لقطاع عريض من الإسبان جزءا من تاريخ البلاد، يكاد لا يعنيهم في شيء، في ظل ما يجابهونه من تحدياتٍ، معظمها على صلة بأحوالهم المعيشية والاجتماعية.