إسبانيا في مواجهة إرثها الاستعماري في المغرب

11 ديسمبر 2025
+ الخط -

قدم تحالف "سومار" اليساري الإسباني، الأسبوع الماضي، مُقترَح قانون (غير ملزم) في مجلس النواب، يطالب فيه الحكومة بالاعتراف بالحقبة الاستعمارية الإسبانية في المغرب (1884-1956)، وتبنّي سياساتٍ وتدابيرَ تستهدف إحياء تلك الحقبة وإدراجها ضمن مناهج التاريخ في المرحلتَيْن الإعدادية والثانوية من منظومة التربية والتكوين الإسبانية. ويأتي هذا المُقترَح ضمن الجهود التي ما فتئت تقوم بها أحزاب يسارية إسبانية من أجل مواجهة الخطاب العنصري لليمين المتطرّف الإسباني المعادي للأجانب والمهاجرين، وفي مقدّمتهم الجالية المغربية المقيمة في إسبانيا. كما يتزامن، بشكل لا يخلو من دلالة، مع موافقة لجنة الدفاع في مجلس النواب على مقترح قانون بإحياء الذكرى المئوية الأولى لما يُعرَف في أدبيات حرب الريف بـ"إنزال الحسيمة" (1925)، الذي كان نقطة تحوّل كبرى في مسار تلك الحرب، انتهت باستسلام قائد المقاومة الريفية محمّد بن عبد الكريم الخطّابي أمام الجيشَيْن الإسباني والفرنسي (1926).

في بيان أسباب تقديم مقترح القانون، أبرز أعضاء الفريق البرلماني للتحالف اليساري الإسباني أن هزيمة إسبانيا المدوّية أمام الولايات المتحدة (1898) وخسارتها مستعمراتها الكبرى في كوبا وبورتوريكو والفيليبين وغيرها، دفعتها إلى إنشاء مستعمرة جديدة في شمال المغرب لاستعادة هيبتها الدولية، قبل أن تتورّط في حرب استعمارية جوبهت بمقاومة ريفية لم تكن مُتوقَّعة. كانت كلفة تلك الحرب باهظةً، فقد لقي أكثر من 25 ألف جندي إسباني حتفهم، معظمهم كانوا ينحدرون من أصول اجتماعية فقيرة. كما سبّبت دماراً واسعاً في مدن المنطقة وبلداتها ومداشرها، خاصّةً بعدما استعملت القوات الإسبانية أسلحةً كيميائيةً محظورة.

في موازاة ذلك، أدّت حرب الريف إلى حالة من عدم الاستقرار داخل المؤسّسات الإسبانية، كان لها أثرها في تهيئة الظروف أمام الانقلاب العسكري (1923) الذي عزّز حضور العسكر في السياسة الإسبانية آنذاك، وفي مقدّمتهم فرانثيسكو فرانكو وإيميليو مولا، اللذان قادا انقلاب 1936، الشرارة الأولى لاندلاع الحرب الأهلية. وهو يؤكّد حسب مقترح "سومار" وجود علاقة عضوية وتاريخية مباشرة بين الاستعمار والاستبداد في إسبانيا.

أكّد المُقترَح "أهميةَ أن تحذو إسبانيا حذو دول أوروبية (مثل بلجيكا وهولندا) شرعت في إنجاز مراجعات نقدية لماضيها الاستعماري المظلم، باستيعابه في ذاكراتها الجماعية، انسجاما مع المعايير الأوروبية والدولية المتعلّقة بالذاكرة والعدالة التاريخية". كما طالب بتعزيز جسور التواصل مع المؤسّسات الأكاديمية والثقافية المغربية ذات الصلة، لا سيّما في منطقة الريف، بغاية تعزيز الذاكرة المشتركة وإغناء الحوار بين الضفَّتِيْن وفتح آفاق جديدة للتعايش بينهما. واعتبر أن ذلك يمكن أن يتحقّق عبر مداخل إجرائية أهمها تشجيع أنشطة البحث والتوعية، مثل المعارض وحلقات النقاش والمنشورات والمشاريع السمعية والبصرية.

يعكس المقترح تحوّلاً مهماً في تعاطي النُّخب الإسبانية، وتحديداً المحسوبة على اليسار المتطرّف، مع الإمبريالية الإسبانية ومخلفاتها التاريخية في المغرب؛ فحسب الناشطة اليسارية الكتالونية والنائبة في مجلس النواب، فيفيان أوغو إي كوربي، التي كانت ضمن الفريق البرلماني الذي تقدّم بالمُقترَح: "لمْ يعد ممكناً أن تستمرّ إسبانيا في تجاهل هذا الجزء من تاريخها. إن ذاكرة الريف والحماية الإسبانية في شمال المغرب ليست مسألة ماضٍ، بل تُشكّل حاضرَ علاقاتنا الثقافية ومستقبلَها، وسياساتنا المتعلّقةَ بالهجرة، ومفهومَ الديمقراطية بحد ذاته".

على الأغلب، لن تتحوّل مبادرة "سومار" حول الحقبة الاستعمارية الإسبانية في المغرب إلى مقترح قانون مُلزِم بسبب معارضة اليمين بطيْفَيه المحافظ والمتطرّف، وبراغماتية اليسار المُعتدِل، إلا أن مجرّد إثارة النقاش العمومي بشأنها يبدو خطوةً دالّةً باتجاه دمقرطة الذاكرة الإسبانية وتوسيع مداراتها.

في الختام، بقدر ما ترتبط المبادرة بالنقاش العمومي بشأن سياسات الذاكرة الديمقراطية المناهضة لليمين المتطرّف، تبدو على صلة أيضاً بتنامي الخطاب الديكولونيالي (تفكيك الاستعمار) في أوساط الأكاديميا الإسبانية، ضمن منظور نقدي يعيد قراءة الإمبريالية الإسبانية، بتفكيك بنياتها الثقافية والسياسية والمؤسّسية، ويتوسّلُ بحقوق الإنسان في أفقها الكوني، ويعترف بما ارتكبته من جرائم في حقّ البلدان والشعوب التي استعمرتها، انطلاقاً من معايير الحقيقة والعدالة والإنصاف والجبر.