إحباط وإخفاق استراتيجي إسرائيلي

إحباط وإخفاق استراتيجي إسرائيلي

23 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

يلاحظ من يتابع ردود الفعل الإسرائيلية على العملية العسكرية ضد قطاع غزة، بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار، عمق الإحباط الشعبي من النتائج التي تمخضت عنها الأيام الماضية من المواجهات العنيفة بين أعتى قوة عسكرية في المنطقة، ممثلة بجيش مسلح بأحدث الابتكارات العسكرية، وحركة مقاومة مسلحة محدودة القوة، حاربت بصواريخ من إنتاج محلي.

لا شيء يمكن أن يحجب الصورة الكئيبة المرتسمة اليوم في مستوطنات غلاف غزة، أو في بلدات كثيرة في وسط إسرائيل التي ظلت عرضةً للقصف من حركة حماس حتى اللحظات الأخيرة، قبل التوصل إلى وقف إطلاق النار. ولا شيء سيغير من الشعور العميق بالإخفاق الإسرائيلي، لا الكلام الإسرائيلي عن أعداد القتلى الكبيرة بين الفلسطينيين، ولا مشاهد الدمار الهائل في شوارع غزة وأحيائها. الأكيد في نظر المواطن الإسرائيلي العادي أن جيشه القوي لم ينتصر في هذه الجولة أيضاً، وأن "حماس" باقيةٌ بسلاحها ومقاتليها، وأن شعب غزة لم يركع على الرغم من خسائره والآلام الهائلة، وأن كل ما يقوله مسؤولوهم السياسيون والعسكريون عن "استرجاع القدرة على الردع"، وعن تدفيع حركة حماس "ثمناً باهظاً" لا يغير صورة التعادل بينها وبين والجيش الإسرائيلي التي تمخضت عنها المواجهة، إن لم نقل صورة الإنجاز الكبير الذي حققته الحركة في هذه الجولة.

توهمت إسرائيل أنها، بالحصار الذي فرضته على غزّة منذ استلام "حماس" الحكم سنة 2007، نجحت في وضع الحركة في "قفص"، وفي وضع سكان غزّة في "غيتو" كبير

وعلى الرغم من التشابه الكبير بين هذه الجولة وسابقاتها، من حيث عدم القدرة على الحسم العسكري في مواجهاتٍ غير متناظرة، سبق أن خاضها الجيش الإسرائيلي ضد حزب الله في حرب يوليو/ تموز2006، وفي عملياته السابقة ضد "حماس"، فإن العملية الأخيرة ساهمت، إلى حد بعيد، في تظهير الإخفاق الكبير على الصعيد الاستراتيجي، وعدم وجود رؤية إسرائيلية واضحة، توجه الجيش الإسرائيلي في عملياته في قطاع غزة. تركّزت سياسة بنيامين نتنياهو في التعامل مع النزاع مع الفلسطينيين على هدف أساسي، إحباط قيام دولة فلسطينية مستقلة، من خلال القضاء على حل الدولتين. ومن أجل تحقيق هذا الغرض، عمل خلال سنوات حكمه الطويلة على تهميش المسألة الفلسطينية، وإضعاف قيادتها الشرعية المتمثلة بالسلطة الوطنية، وتأبيد حال الانقسام بين هذه السلطة في الضفة الغربية و"حماس" في قطاع غزة. كما ارتكزت هذه السياسة على سياسة ممنهجة، غرضها إضعاف السلطة الفلسطينية، وسياسة "احتواء" حركة حماس، كما يسميها المحللون الإسرائيليون. وحظيت هذه المقاربة بدعم كبير خلال السنوات الأربع الماضية من إدارة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب.

بالإضافة إلى ذلك، توهمت إسرائيل أنها، بواسطة الحصار الذي فرضته على غزة منذ استلام "حماس" الحكم سنة 2007، نجحت في وضع الحركة في "قفص"، وفي وضع سكان غزة في "غيتو" كبير، تتحكّم بمعابره وبحياة سكانه وبكل تفاصيل العيش الأخرى، وبالتالي تستطيع أن تفعل ما تشاء وحينما تشاء. كما حرصت، في كل اعتداءاتها العسكرية التي خاضتها على قطاع غزة، على القول إن الهدف هو ردع "حماس"، من خلال توجيه ضربة قاصمة تضعفها وتردعها من دون أن تكسرها. وعاشت المنظومة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، طول السنوات الماضية، على وهمها بأنها قادرة، متى تشاء، على ترويض "حماس" وتلقين الغزّيين درساً. واعتقدت أن في مقدورها استغلال أموال من دولة قطر، وحاجة "حماس" إلى تحسين ظروف حياة الغزّيين، من أجل ابتزاز "حماس". ولكن ما شهدته إسرائيل في جولة القتال، أخيرا، ضد "حماس"، أزال كل الأوهام، وفضح كل الادّعاءات المزيفة عن "الاحتواء" ليظهر العجز والقصور السياسي بكل مضامينه وأحجامه.

الإحباط والشعور بالإخفاق يعمّقان التشدد والعنصرية في المجتمع الإسرائيلي

تعدّدت الإنجازات التي حققتها "حماس" في المواجهة أخيرا، باعتراف الإسرائيليين أنفسهم، مثل تحوّلها، في نظر الفلسطينيين أجمعين، إلى قائدة للنضال الفلسطيني ضد إسرائيل، وإلى المدافع عن الأماكن المقدسة في نظر الشعوب الإسلامية. واضطرار المجتمع الدولي إلى الاعتراف بأن هدف تحرّك "حماس" كان الدفاع عن حقوق المقدسيين في حي الشيخ جرّاح، وإخراج القوات الإسرائيلية من المسجد الأقصى ووقف الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية على المواطنين الفلسطينيين، لا كما تدّعي إسرائيل تدمير الدولة العبرية.

وماذا الآن؟ كيف سيترجم هذا الإخفاق السياسي الإسرائيلي المرّ، والمفروض أن يكون نتنياهو المسؤول الأول عنه على صعيد الأزمة الحكومية المستعصية التي تعيشها إسرائيل منذ أشهر؟ هل سينجح نتنياهو في أن يضحك مجدّداً على عقول الإسرائيليين، تباهياً بإنجازاتٍ لم تعد تنطلي على أحد؟ مع الأسف، يدل تاريخ المواجهات العنيفة بين إسرائيل والفلسطينيين على أن الإحباط والشعور بالإخفاق يعمقان من التوجه نحو التشدد والنزعات العنصرية في داخل المجتمع الإسرائيلي. ويبدو أن هذا ما سيحدث هذه المرّة أيضاً.