إثيوبيا .. خيارات صفرية لنزاعات عرقية

إثيوبيا .. خيارات صفرية لنزاعات عرقية

06 نوفمبر 2021
الصورة

إثيوبيات في ديبارك بعد فرارهن من المعارك بين التيغراي والحكومة (10/10/2021/Getty)

+ الخط -

لا تنتهي الحروب العرقية إلا بالإبادة أو تفكك الدولة أو الانفصال، وهذه بعض الدروس "غير المستفادة" من نزاعات البلقان والسودان ودول أفريقية عديدة على مدى أكثر من نصف قرن مضى. وها هو تجدّد الحرب الداخلية في إثيوبيا على خلفية عرقية ينبئ أن هذا النزاع لن يصل إلى "مبتغاه" إلا بالمضي على طريق الإبادة الرهيبة أو الاعتراف بالحقّ في الانفصال، علماً أن هذا الحق منصوصٌ عليه في الدستور الإثيوبي. أما الحل على الطريقة السويسرية أو البلجيكية، فلا محلّ له في الأذهان، فما دامت المظالم العرقية مستقرّة في النفوس، ولا تجد علاجاً شافياً لها، وما دام السلاح متوفراً في الأيدي وفي المخازن، فإن الطريق إلى الحرب تظل مفتوحة، وتنادي المقاتلين إلى الجبهات.

وقد مرّت قبل أيام، مع مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، الذكرى الأولى لحرب الحكومة الاتحادية الإثيوبية على إقليم تيغراي في شمال البلاد، والتي أدّت آنذاك إلى السيطرة على عاصمة الإقليم ميكيلي، وتشتّت قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، مع عشرات آلاف من القتلى والجرحى، ونزوح أعداد مماثلة أخرى، بعضها إلى السودان، إضافة إلى استشراء المجاعة وسط المدنيين المنكوبين. ومع حلول هذه الذكرى كانت قوات الإقليم قد استجمعت شتاتها، وأعادت السيطرة على عاصمة الإقليم في يونيو/ حزيران الماضي، وأخذت بالاستيلاء التدريجي على مدن وبلدات إثيوبية. وفي أمرها هذا، متحالفة مع تنظيم مسلح آخر ينتمي لعرق الأورومو، مهدّدة بأن مصير رئيس الحكومة، أبي أحمد علي "محسوم"، وأن وصول القوات إلى العاصمة أديس أبابا "مسألة أسابيع". وكان أبي أحمد، خلال الشهور الخمسة الماضية مع انتكاسات جيشه، يبدي مواقف متصلبة تجاه مصر والسودان في مفاوضات سد النهضة، مع الاحتفال بالملء الثاني للسد، كما احتفل بالتمديد له في ولاية جديدة مدتها خمس سنوات، بعد انتخاباتٍ حقق فيها حزبه "الازدهار" فوزا "حاسما". وقد تم استثناء إقليم تيغراي من إجراء تلك الانتخابات، وكان في الأثناء قد أجرى انتخابات خاصة به، لم تعترف بها الحكومة المركزية.

حاز أبي أحمد علي جائزة نوبل للسلام، لقاء إنهائه الحرب مع إرتيريا في العام 2000، لكنه لم يتوان عن شن حرب، في العام الماضي، على إقليم تيغراي

تتجدّد هذه الحرب على خلفية مطالب عرقية تخصّ سكان الإقليم (5,6 ملايين نسمة من 108 ملايين نسمة). وعلى الرغم من ضآلة عدد سكان الإقليم، إلا أنهم يتمتعون بقيادة عسكرية مدرّبة تضم نحو ربع مليون جندي، وتتوفّر على أسلحةٍ ومعدّاتٍ تمّت غنيمتها من الجيش الإثيوبي، ومن قواتٍ إرتيريةٍ شاركت في الحرب على الإقليم في مثل هذه الأيام من العام الماضي. وعلاوة على ذلك، لأبناء الإقليم حضور في الأجهزة العسكرية والأمنية الإثيوبية. وقد سعى أبي أحمد إلى إخراج قادتهم من الأجهزة تحت مسمّيات التطوير والتجديد. كما سعى إلى تصفية جبهة تحرير تيغراي، عبر الدعوة إلى صهر جميع التنظيمات في بوتفقة واحدة، وهو ما فهمته الجبهة محاولة لتصفيتها. بل حكمت هذه العرقية البلاد حتى العام 2012 مع وفاة ميلس زيناوي الذي ينتسب لها، وترأس منظمتها العسكرية. ولا يتعلق الأمر بمحاصصةٍ عرقيةٍ مفترضةٍ فحسب، بل بأن جبهة تيغراي قد ساهمت مساهة فعالة في إسقاط الحكم العسكري الذي كان يقوده مغنستو هيلا مريام "الاشتراكي" 18 عاما منذ 1974.

ولا يتوقف تعقيد الخريطة العرقية وموازين الحكم هنا، فعلى الرغم من أن أبي أحمد ينتمي لعرق الأورومو، وهي الإثنية الأكبر عدداً، وبنسبة تضاهي 36% من عدد السكان، إلا أنه يواجه مقاومةً من أبناء عرقيته هذه من خلال جبهة تحرير أورومو التي تنادي بانفصال مناطقها، وتحالفت مع جبهة تيغراي في الأسابيع الماضية، وتشاركا في القتال والتنسيق بينهما للسيطرة على مدن إثيوبية، وسيطرا بالفعل على عدد من المدن، واقتربا من العاصمة بمسافة تزيد قليلا عن 300 كيلومتر حتى إعداد هذا المقال. وبالنظر إلى توزّع أفراد الجيش الإثيوبي وقياداته على ولاءات عرقية محتلفة، فإنه يمكن تصوّر مدى التحدّي الذي يهدّد تماسك الدولة وقواتها المسلحة في الأشهر المقبلة، إذا لم يتم التوصل إلى حل سياسي يوقف النزاع.

بلاد الحبشة، مع اقتراب نصف قرن من أفول إمبراطوريتها، باتت مهدّدة بأفول وحدة أقاليمها ومناطقها

لقد حاز أبي أحمد علي (46 عاما) جائزة نوبل للسلام، لقاء إنهائه الحرب مع إرتيريا في العام 2000، لكن الرجل الذي يوصف بأنه مزيج من الليبرالية والشعبوية لم يتوان عن شن حرب، في العام الماضي، على إقليم تيغراي، دارت داخل المدن وبين التجمعات السكانية، ولم يمنح فرصةً كافيةً للتسويات والحلول السياسية، ولم يصغ لنداء السلام الذي تلهج به نفوس المدنيين. وقد فتح بذلك الأبواب على وسعها لحروبٍ متجدّدةٍ باتت تهدّد العاصمة وتماسك الدولة. أما جبهة تحرير تيغراي (نشأت في العام 1975)، فقد مزجت بين حروب التحرير الشعبية والتحرير العرقي وتغذية المشاعر الحربية إلى ما لا نهاية، والحلم بدولة مستقلة على أساس العرق وحده. وقد سبق لهذه الجبهة أن تعاونت مع إرتيريا قبل استقلال الأخيرة في العام 1991، وهذه حاليا تتحالف مع أديس أبابا ضد "شعب" تيغراي، وهذا هو الجار المستقبلي شبه الوحيد للإقليم إذا قيّض له الانفصال.

ومن المفارقات أن إثيوبيا هي الدولة الوحيدة في أفريقيا التي كان يترأسها إمبراطور (هيلا سلاسي). ومنذ سقوطه في 1974، تعاقبت على الحكم قوى عسكرية "ثورية ديمقراطية شعبية"، كانت تستظلّ بـ "الإمبراطورية" السوفياتية، وتتلقّى الدعم التسليحي والدبلوماسي منها. ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي، طبع الاضطراب مسيرة الدولة الإثيوبية، وها هي بلاد الحبشة، مع اقتراب نصف قرن من أفول إمبراطوريتها، باتت مهدّدة بأفول وحدة أقاليمها ومناطقها واهتزاز وضعها الإقليمي في القارّة السمراء، وذلك مع الفشل المديد في بناء دولة شبه حديثة، تقوم على أساس المواطنة وعمومية القوانين وبناء جيش وطني مهني، يضع القوات المسلحة خارج التجاذبات السياسية الداخلية، مع الفشل في التنمية الداخلية، وفي دمج الهويات الفرعية بالهوية القومية، وفي إقامة علاقات حسن جوار مع دول مثل السودان ومصر.