أي يمين وأي يسار في تونس؟

أي يمين وأي يسار في تونس؟

15 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

منذ تشكل الفكر السياسي الحديث، ظهرت مقولات اليمين واليسار باعتبارها مصطلحات تساعد على فهم المشهد السياسي في بلد ما، فهي أدواتٌ تفسيريةٌ للتمييز بين القوى الحزبية، بل ولفهم التمايز داخل بنية التيار السياسي الواحد نفسها. ولا يخلو أي بلد يشهد حياة سياسية من استخدام هذه المصطلحات، وتوظيفها لفهم الأحزاب، وتفسير البرامج والمواقف.

لم تخرج تونس عن هذا السياق العام للتصنيف السياسي، وهي التي عرفت أول تشكيل سياسي سنة 1907، وظهرت قوى تتبنّى الاشتراكية وتصنف نفسها يسارا منذ عشرينيات القرن الماضي، وهو ما شكّل إرثا سياسيا ظل متواصلا، حتى في ظل أحلك فترات الاستبداد وقمع الأفكار والتوجهات السياسية. وإذا كان الصراع بين القوى المختلفة التي تُصنّف يمينا أو يسارا ظل يطبع الحياة السياسية التونسية زمن الاستبداد، وإن عرف نوعا من التقارب والعمل المشترك، في أواخر أيام حكم زين العابدين بن علي، مع ظهور جبهة سياسية واسعة، تمثلت في تحالف قوى 18 أكتوبر، إلا أن ما سيحصل بعد الثورة وفتح الباب أمام النشاط الحر للأحزاب سيكون مثيرا للاستغراب.

حالة من غياب البرامج والتصورات، بل وفقدان قادة الأحزاب للحد الأدنى من الإبداع السياسي الضروري

على الرغم من أن عدد الأحزاب السياسية الحاصلة على التأشيرة القانونية للعمل قد فاق 220 تنظيما، إلا أنها، واقعيا، أقل من عشرة ناشطة فعليا، وإذا احتكمنا إلى منطق التمثيلية الفعلية للجمهور الناخب، فإن العدد ينخفض إلى ما هو أقل من عدد أصابع اليد الواحدة. من الناحية النظرية، يمكن تصنيف الأحزاب التونسية وفق المنطق المعتاد إلى يمين ويسار، غير أن واقع الممارسة السياسية يكشف أن هذا التصنيف مجرّد خطاب أجوف، لا يعبر فعلا عن واقع تمركز الأحزاب السياسية. من الواضح أن خطوط التمايز بين الأحزاب السياسية قد اندثرت، فلا نجد اليوم في تونس يسارا حقيقيا، ولا حتى يمينا بالمعنى المتعارف عليه. وإذا كان التمييز بين الأحزاب وتصنيفها بين يمين ويسار يقوم أساسا على أرضية الاختلاف في البرامج الاقتصادية والمجتمعية، فإن هذا النوع من الاختلاف يكاد يكون قد اضمحلّ نهائيا، وليحلّ محله تمييز على أساس مختلف تماما، أعني التمييز بين قوى تؤيد النزعة الاستبدادية، وبعضها يدعو صراحة إلى عسكرة البلاد، وهو ما يتكرّر في خطاب حزب التيار الديمقراطي الذي يُصنّف يسارا، وهو في هذا لا يبتعد كثيرا عن الخطاب المنغلق للحزب الدستوري الذي لا يخرج عن دائرة أقصى اليمين.

أفقدت حالة التماثل الحزبي، وغياب برامج فعلية في المجال الاقتصادي، بالإضافة إلى التحالفات الهجينة التي تحصل بين قوى مختلفة على أرضية المصلحة السياسية، من دون أي برامج مشتركة أو رؤى متماثلة، أفقدت الناس الثقة في الأحزاب. ومما زاد في مشكلات العمل الحزبي في تونس، بالإضافة إلى التماثل في الخطاب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، حالة التماثل البنيوي في تشكّل الأحزاب السياسية، حيث ينفرد مؤسس الحزب وقائده غالبا بإصدار القرار وتسيير الحزب وفق رؤاه الشخصية، يستوي في هذا الأمر أقصى اليمين مع أقصى اليسار.

فشلت التيارات السياسية التونسية في بناء أحزاب فعلية بمفهومها العصري

لقد فشلت التيارات السياسية التونسية في بناء أحزاب فعلية بمفهومها العصري، فالأحزاب السياسية بصورتها الحداثية نشأت لتحل محل التعبيرات القديمة القائمة على الاحتماء بالعشيرة أو القبيلة أو الطائفة، ولتتعامل مع الناس بصفتهم المواطنية، وهي تجمع بين الأفراد على أساس الانتماء لتصور سياسي، أو على قاعدة برنامج اقتصادي واجتماعي محدّد يساعد على تأطير جماهير الناس من أجل التعبير عن تصوراتهم، وتحويلها إلى برامج فعلية قابلة للتنفيذ عند الوصول إلى الحكم عبر الآليات الديمقراطية المعروفة، ونعني بها الانتخابات أولا وأخيرا. غير أن ما تشهده تونس حاليا يكشف عن حالة من غياب البرامج والتصورات، بل وفقدان قادة الأحزاب للحد الأدنى من الإبداع السياسي الضروري، لوضع البرامج والتصورات، وإقناع الناس بها، وربما هذا ما يفسّر حالة السيولة السياسية التي تجعل أحزابا سياسية تصعد وتضمحل، كأنها لم تكن. ولنا في تجربتي حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية، والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، اللذين صعدا بعد انتخابات 2011 ثم تفككا، وبعدهما حزب نداء تونس الذي تولى الحكم بعد انتخابات 2014، وصعود الجبهة الشعبية (اليسارية) في الانتخابات نفسها ثم انهيارها لاحقا، لنا في هذه كلها درس مهم لفهم أن نشأة الأحزاب واضمحلالها في تونس ليس أمرا طارئا، وأن الأمر نفسه سيتكرر في الانتخابات المقبلة للقوى التي صعدت في انتخابات 2019.

أزمة العمل الحزبي في تونس هو عجزه عن إنتاج البدائل ووضع الرؤى والتصورات، الأمر الذي أفقده ثقة الجمهور العام الذي توجه، في انتخابات 2019، إلى انتخاب شخصية سياسية من دون ماض ولا حزب ولا برامج، والأكيد أن خيبة أمله في الذين اختارهم في 2019 قد تشيع حالة من النفور العام، وربما عزوفا انتخابيا واضحا، ستكون له آثاره الأكيدة في انتخابات 2024.