أي مستقبل لـ"العدالة والتنمية" المغربي؟

أي مستقبل لـ"العدالة والتنمية" المغربي؟

22 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

يوجد حزب العدالة والتنمية المغربي أمام مفترق طرق كبير بعد الهزيمة القاسية التي تلقاها في انتخابات 8 سبتمبر/ أيلول 2021، وحوّلته من أكبر حزب في البلاد إلى واحد من أصغر الأحزاب السياسية المهدّدة بالاندثار. وفي أول اجتماع لبرلمان الحزب الذي عقد نهاية الأسبوع الماضي، كان باديا أن القيادة ما زالت تحت وقع صدمة الزلزال الكبير الذي ضرب حزبها. وفي وقتٍ كان منتظرا أن تقدم القيادة المستقيلة تفسيرا لما جرى، انتهى المجتمعون بالخروج بقرار واحد، إرجاء كل نقاش جدّي وعميق عن أسباب اندحار الحزب في الانتخابات إلى حين انعقاد المؤتمر الاستثنائي الذي سيعقد قبل نهاية الشهر المقبل (أكتوبر/ تشرين الأول)، لانتخاب قيادة جديدة.

وبعيدا عن أسباب الانتكاسة التي أصابت الحزب الذي شغل الناس وملأ دنيا السياسة في المغرب طوال العقود الماضية، وسبق أن بيّن الكاتب بعض أسبابها في مقال الأسبوع الماضي في "العربي الجديد"، فإن أهم ما سيشغل مناضلي الحزب والمتعاطفين معه، والرأي العام داخل المغرب وخارجه، هو مستقبل هذا الحزب والمآل الذي يمكن أن يؤول إليه. هل سينكمش ويعود إلى حجمه الطبيعي، ويصبح رقما عاديا داخل المعادلة السياسية؟ أم أنه سيتفتّت إلى أحزاب وتيارات سياسية تتنازع، حتى تفشل فتذهب ريحها سدى؟ أم أنه سيعيد قراءة ما حصل بعين نقدية، ويعيد بناء ذاته من الداخل، ليعود قويا كما كان؟

لقد شكّل حزب العدالة والتنمية ظاهرة سياسية بالمقاييس المغربية، تجلت في صعوده السريع في ظرف زمني قياسي، حتى تحوّل إلى أكبر قوة سياسية في البلاد، وسقوطه المفاجئ والمدوّي في ليلة واحدة من القمّة إلى القاع، ما زاد هذه الظاهرة غموضا، وبالتالي صعوبةً، في قراءة تحولاتها وتقلباتها المفاجئة وتفسيراتها.

أكبر تحدٍّ سيواجه حزب العدالة والتنمية في وضعه الراهن مستقبلا مدى سرعة تجاوبه مع واقعه الجديد الذي وجد فيه نفسه

وإذا ما حاولنا استقراء المستقبل الذي ينتظر هذا الحزب، يبدو أن ثمّة ثلاثة سيناريوهات محتملة لما يمكن أن يكون عليه هذا المستقبل، بعد استيعاب الحزب وقيادته دروس هزيمته القاسية: الأول، أن يتحوّل الحزب إلى رقم عادي داخل المعادلة السياسية المغربية، ويصبح همّه الأول هو الحصول على المقاعد من أجل ضمان حضوره السياسي، واستفادته من مغانم هذا الحضور، وسيجد هذا الاتجاه من يدافع عنه داخل الحزب من أعضائه الذين استفادوا من وجود الحزب في مراكز السلطة طوال عقد. ويبدو هذا السيناريو الأقرب إلى التحقق لأنه لا يتطلب كلفة سياسية أو نضالية كبيرة ممن سيراهنون على دفع الحزب إلى تبنّيه. الثاني، أن تؤدّي الخلافات داخل صفوف الحزب، خصوصا بين الشباب المنتقد وهيئته الدعوية "التوحيد والإصلاح"، من جهة والاتجاه البراغماتي داخل الحزب الذي ما زال يمنّي النفس بالعودة إلى مغانم السلطة وامتيازاتها، إلى تشظّيه سواء من خلال ظهور تياراتٍ متصارعةٍ داخله أو انشقاق صفوفه، وخروج أحزاب من داخله، وهذه لعنة أصابت أحزابا مغربية كثيرة أدّى عدم انفتاحها على الآراء المنتقدة من داخلها، وتغليب الخلافات السياسية ذات الطبيعة الشخصية، إلى إضعافها وتفتتها. والحال أن الحزب يمر، منذ فترة غير قصيرة، بحالةٍ من الانقسام الداخلي غير المعلن بين قياداته وجناحه السياسي والدعوي. الثالث، أن يمارس الحزب نقدا ذاتيا حقيقيا وقاسيا لقراءة الأخطاء التي أدّت به إلى المآل الذي آل إليه، ويعيد النظر في أطروحاته السياسية واستراتيجيته النضالية التي كانت تقوم على مقاربة "الإصلاح من الداخل"، ولم ينجح في تنزيلها وهو في أوج قوته عندما كان في السلطة، فكيف سيكون حاله وهو في المعارضة وفي أضعف وضع منذ وجد. وأكبر سؤال سيواجه الحزب في مؤتمره الاستثنائي المقبل يتعلق بمدى قدرته على تقديم تقييم موضوعي لمدى صواب هذه المقاربة ونجاعتها، وما الذي حققه الحزب أو فعله من أجل تفعيلها على أرض الواقع، بعيدا عن الديماغوجية والشعبوية اللتين طبعتا خطابات قياداته الحالية والسابقة المسؤولة عن اندحاره.

استعادة ثقة المواطن في خطاب الحزب ستتطلب قدرة كبيرة على الإقناع، وممارسة أقسى درجات النقد الذاتي

ولكن أكبر تحدٍّ سيواجه الحزب في وضعه الراهن مستقبلا مدى سرعة تجاوبه مع واقعه الجديد الذي وجد فيه نفسه، فالحزب الذي قاد الحكومة لولايتين متعاقبتين، ورأس بلديات المدن الكبيرة، تجربته في المعارضة من داخل المؤسسات قصيرة، بدأت منذ دخل البرلمان أول مرة عام 1997 حتى توليه الحكومة عام 2011، فهي لا تتجاوز 14 سنة لم يحقق فيها الحزب تراكماتٍ كبيرة. وإذا أراد تفعيل مقاربة "الإصلاح من الداخل"، بما أنه لا بديل له عنها، عليه أن يفكّر في الوسائل التي تجعل هذه المقاربة فعالة. والحال أن أذرع الحزب في أوساط المجتمع والنقابات هي أضعف من أن تمارس الضغط المطلوب من داخل الشارع لإسناد أي مبادرةٍ لإصلاح من الداخل. يضاف إلى ذلك مدى قدرة خطاب الحزب السياسي والقيمي على استعادة مصداقيته لدى شرائح واسعة من المجتمع، صدّقت شعاراته وجرّبت وعوده، فكانت النتيجة تصويتها العقابي ضده في الانتخابات أخيرا.

ويبقى مستقبل هذا الحزب مرتبطا، إلى درجة كبيرة، بالتحوّلات الإقليمية والدولية التي عجّلت وصول أحزاب الإسلام السياسي إلى السلطة في أكثر من دولة عربية، وأمام الانتكاسات التي منيت بها هذه التجارب في الدول التي كانت شاهدة على بروزها، سواء بسبب أخطاء أصحابها أو بفعل عمل الثورات المضادّة التي لم تتوقف قط منذ فترة "الربيع العربي"، فإن عودة تيار الإسلام السياسي قويا كما كان تحول دونه عدة عوامل ذاتية وموضوعية. ويبقى أكبر تحدٍّ أمامه استعادة ثقة الناس في خطابه وشعاراته، خصوصا في الدول التي خاب ظن شعوبها في حكمه. وبالنسبة لـ"العدالة والتنمية" المغربي، وكيفما كانت الأجوبة التي سيقدّمها مؤتمره الاستثنائي المرتقب لتفسير سقوطه المفاجئ والمدوي، وكيفما كانت القيادة الجديدة التي سيختارها لترميم صورته وإعادة بنائه من الداخل، فإن استعادة ثقة المواطن في خطابه ستتطلب قدرة كبيرة على الإقناع، وأكثر من ذلك ممارسة أقسى درجات النقد الذاتي، لمحو عقد من التضليل والخداع واستغباء عقول الناس البسيطة، وهذه ليست مهمة بسيطة.