أيّ شيء إلا الإسلاميين
(نجيب بلخوجة)
استضافت رباب المهدي محمّد سليم العوّا في بودكاست بعنوان: "الحلّ إيه؟". والعنوان وحده كافٍ للمتابعة، فـ"ما الواقع؟" و"ما الحلّ؟" هما سؤالا المرحلة. تحدّث العوّا عن إشكالات الإسلام السياسي في المنطقة، وعلى الرغم من أن أسلوب المحاورة والضيف لا يحفّزان هرمونات "التريند"، إلا أن دوائرَ من الجدالات والنقاشات و"الخناقات" دارت حول الحلقة، ما السبب؟ كلام العوّا؟... في تقديري لا، فلم يقل العوّا جديداً، هذا هو الرجل، وفق كتاباته وخطاباته وتصريحاته منذ عرفناه، لا جديد. بالعكس، بعض الأفكار، على جديّتها، تجاوزها التنظير الإسلامي نفسه، ورغم ذلك كلام العوّا مهم، لماذا؟... لسببين: الأول أن واقع الإسلاميين لا يتحرّك مع أفكار منظّريهم، بل مع ما يصل من هذه الأفكار إليهم، وإذا كانت الأفكار تتحرّك وفق حركة أصحابها، كتابةً ونشراً وتأثيراً، فإنها لا تصل إلّا وفق "حركة المرور" التي تتحكّم فيها النظم الأمنية بالأساس. ومن ثمّ، فكلام العوا الباهت نظرياً ما زال سقفاً عالياً، لم يصل إليه أغلب الإسلاميين الغاضبين.
على الجانب الآخر، دارت جدالات حول الإسلام السياسي تشترك (على اختلافها) في مُخاصمة السياسة، وسأناقش هنا فكرتَيْن: الأولى: التقييمات الثقافية، التي جاءت بناءً على موقع كلام العوا من "المفترض" وليس "الممكن". هنا نحن أمام كلام صحيح بقدر ما هو غير مهم؛ صحيح لأنه صحيح، لم يقل العوا جديداً، ولم يتجاوز منطلقات أغلب من انتقدهم من الإسلاميين، وإن تجاوزهم في النتائج، لكن هذا لا ينفي أن إدانة كلام سياسي بمعايير ثقافوية غير مهمّة، لأن الأهمّية يحدّدها الواقع كما هو، لا كما ينبغي أن يكون.
السبب الثاني: التقييمات الأمنية، التي تفترض أن مجرّد استضافة العوا انقلاب على مكتسبات العقد الماضي، وأننا بالفعل تخلّصنا من الإسلاميين فلماذا نعيد تقديمهم؟ هنا نحن أمام تصوّر يفترض أصحابه (من الديموقراطيين) أن السجون والمعتقلات والتصفية الجسدية وتحول النظام مافيا مكتسبات سياسية طالما أنها ستخلّص الأقلية "المثقّفة" من الأغلبية "الفاشية".
إذا تجاوزنا وقاحة الطرح إلى الوقوف على مدى واقعيّته، فالكلام مُدهش في غيابه الكامل عن واقعه، فالمثقّف صاحب نظرية "أيّ شيء إلا الإسلاميين" يتصوّر حقّاً أن الإسلاميين ذهبوا ولن يعودوا، والواقع الذي نعيشه يومياً، والذي تخبرنا به كلّ جدالاتنا من إشكالات السياسة إلى ترندات كرة القدم، أن الإسلاميين هنا، ولم يذهبوا إلى أيّ مكان، وأن السجون والمعتقلات كانت أكبر استثمار في وجودهم، وأن تغييبهم فيها لم يعنِ سوى مزيد من حضورهم خارجها، كما أن سياسات النظام الحالي، الذي يتصوّر الثقافوي المسكين أنه خلّصنا من الإسلاميين، ساهمت، أكثر من غيرها، في استدعاء خطابات الإسلاميين، في أكثر نُسَخها محافظةً وشعاراتية، إلى درجة اعتبار كلام العوّا، في جدالات الإسلاميين حوله، "بيعاً للقضية".
ثمّة معادلات سياسية بديهية يعرفها كلّ من "قرأ كتابين" في تاريخ مصر السياسي والاجتماعي، منها: أن الإسلام السياسي ظاهرة اجتماعية تاريخية قبل أن يكون تنظيماتٍ وحركاتٍ وأحزاباً. وجذوره: التديّن الشعبي، والمظلوميّة الاجتماعية، والفراغ السياسي، وغياب المشروع الوطني، وأسئلته: الهُويَّة، وقوّة الدين في المجال العام، والخدمات الاجتماعية. ومن ثمّ، فإن قمع الإسلاميين استثمارٌ في وجودهم، لأنه يُغذّي مظلوميتهم، تلك التي لم تعد ادّعاءً، بل باتت واقعاً يومياً. كما أن اختلاق هُويَّات هزلية مثل "الكميتية" وغيرها، لتجفيف منابع خطابات المقاومة، هو استثمار في مزيد من حضور الإسلاميين لإجابة سؤال الهُويَّة بشكل أكثر وضوحاً وحسماً، وترك سؤال "قوة الدين في المجال العام"، ليُجيب عنه صوفيّون حكوميّون، وسلفيّون حكوميّون، وتنويريّون حكوميّون، سيجعل من الإسلاميين، ومن "الإخوان" تحديداً، مصدرَ الإجابة الوحيد غير الحكومي. ومن ثمّ الشعبي "الحقيقي". والخلاصة: لم يقضِ النظام الحالي على الإسلام السياسي، بل قضى على السياسة نفسها، ولم يُخلّصنا النظام الحالي من "الإخوان"، بل خلّصنا من الإمكانية الديمقراطية لتغييرهم. ومن ثمّ، فإن خطابات "أيُّ شيء إلا الإسلاميين" تحوّلت في الممارسة العملية إلى "أيُّ شيء إلا الديمقراطية".