أين نحن من خط الفقر؟

أين نحن من خط الفقر؟

30 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

يقول فقير المال إنه فقير العقل. ولكن هذه الجملة، في الحقيقة، نوعٌ من التعويض النفسي عن نقص الإمكانات المادية للفرد، ففقر الحال لا يتعارض مع فقر العقل والعكس صحيح. وللفقر تعريفات عديدة. ويمكن القول، باختصار، إن الفقر يتلخص بعدم القدرة على الحفاظ على الحد الأدنى من مستوى المعيشة. ويشمل الفقر كل مجالات الحياة من المأكل إلى الملبس إلى المسكن والصحة والتعليم إلى قسطٍ من الراحة والرفاهية التي يجب أن يغطّيها الدخل الذي يحصل عليه الفرد الذي بقدر ما يحقق من المتطلبات، فإنه يرتفع فوق عتبة الفقر أو خط الفقر، وبقدر ما يعجز عن تحقيق هذه المتطلبات، فإنه ينحدر تحت خط الفقر، ويتبدّل خط الفقر من عامٍ إلى عام، ومن بلد إلى بلد، ويتراوح بين دولار واحد إلى دولار وتسعين سنتا للفرد في اليوم. وفي سورية، تتراوح نسبة السكان الذين يقعون تحت خط الفقر بين 80% و90%، ومن تبقوا ليسوا بالضرورة فوق خط الفقر، فمنهم من يسير عليه، ومنهم من يحلق فوقه على ارتفاعاتٍ منخفضة، وقلة قليلة فقط هي التي ترتفع فوقه على مسافات عالية، أما من هم تحت خط الفقر فمنهم من هو في القاع إلى درجةٍ تجعل حتى خط الفقر غير مرئي له، وإذا اعتبرنا أن متوسط راتب الموظف يبلغ ثلاثين دولارا في الشهر، كما هو الحال في سورية مثلا، فهذا يعني أن دخل هذا الفرد يبلغ دولارا في اليوم، ولكن إذا كانت له زوجة لا تعمل، وهذا حال معظم الزوجات في مجتمعنا، فإن دخل الفرد في هذه الأسرة سيصبح نصف دولار في اليوم. وإذا اعتبرنا أن خط الفقر قد تم تحديده بدولار وتسعين سنتا فإن الفرد في هذه الأسرة تحت خط الفقر بدولار وأربعين سنتا. أما إذا كان عدد أفراد الأسرة أربعة، فسيصبح تحت خط الفقر بدولار وخمسة وستين سنتا، أي أنه تحت هذا الخط المشؤوم بحوالي أربعة أضعاف قيمة هذا الخط، فدخله لا يغطّي له من متطلباته لا السكن ولا وسيلة النقل الشخصية، ولا الرفاهية حتى لو كانت هذه الرفاهية داخلية، فسوريون كثيرون، على سبيل المثال، لم تسعفهم إمكاناتهم في زيارة البحر الذي يقع بلدهم على شاطئه، كما أن هذا الدخل لا يؤمن لهم لا التأمين الصحي ولا التعليم العالي. ويؤمن لهم، بشكل نسبي، الملبس والمأكل. هؤلاء لا يمكن وصفهم بأنهم فقط تحت خط الفقر. إنهم في الدرك السابع تحت خط الفقر. مثل هؤلاء، وهم غالبية ساحقة بالنسبة إلى عدد سكانها، يعتبر خط الفقر حلما ورديا بالنسبة لهم.
قال أحد البسطاء، بعد أن شاهد فيلم سبارتاكوس: الفيلم جميل، لكن سبارتاكوس غشيم. وعندما استغرب الجميع وقالوا إن شخصا يقاتل من أجل حريته لا يمكن أن يكون غشيما. قال الرجل البسيط إن سبارتاكوس غشيم، تحديدا لأنه قاتل من أجل حريته، فبأي شيء تلزمه هذه الحرية؟ وهنا، أضاف الحضور إلى استغرابهم الاستنكار، وتساءلوا عن سبب هذا الرأي الغريب لدى هذا الرجل البسيط. قال: العبد يعمل بطعامه، أما الأحرار فلا يكفيهم دخلهم حتى لطعامهم. نعم، فقد وصلت فئة كبيرة من الأشخاص الذين يقعون تحت خط الفقر إلى درجةٍ أكثر انخفاضا من درجة العبيد. في السابق، كان المنزل حلما والسيارة حلما والسياحة حلما. الآن أضيفت إلى ذلك عشرات المواد الأخرى (الوقود والكهرباء والغذاء) والحبل على الجرّار. والأنكى من ذلك كله أن هناك فوق خط الفقر من لا يزال يبحث عن طرق نهب أولئك الذين تحت خط الفقر وسلبهم، ويستخدمونهم كوقود رخيص صالح للاستخدام في كل الصراعات التي يخوضونها.