أين نحن من إنجاز جوخة الحارثي؟

21 سبتمبر 2020
الصورة

جوخة الحارثي تحمل روايتها الفائزة بجائزة مان بوكر (21/5/2019/Getty)

+ الخط -

مرّت قبل أيام الذكرى الأولى لتتويج الكاتبة العُمانية، جوخة الحارثي، بجائزة مان بوكر (2019). إذ تترجم روايتها حاليا إلى مختلف لغات الأرض، لتواصل بعد كل ترجمة إبهار مزيد من قرّاء تلك اللغة. وقّعت جوخة على عقود لترجمة روايتها الفائزة إلى أكثر من عشرين لغة أجنبية. كما تربّعت الرواية على عرش قائمة الكتب الأكثرَ مبيعا في كل من الولايات المتحدة والهند وأستراليا وكندا. انتزعت جوخة الجائزة المرموقة من أسماء عالمية وازنة ترشّحت إلى القائمة القصيرة، وذلك بفضل روايتها "سيدات القمر"، (ترجمتها إلى الإنكليزية الأكاديمية الأميركية مارلين بوث بعنوان "أجرام سماوية"). ويكفي هنا ذكر اسم البولندية أولغا توكارتشوك التي فازت بجائزة نوبل (2018) لندرك حجم المنافسة بين الأعمال المرشّحة، من دون أن يعني ذلك التقليل من قيمة بقية الأسماء الأخرى المهمّة التي أشعلت المنافسة، وهي الفرنسية آني أيرنو، والألماني ماريون بوشمان، والكولومبي خوان غابريل فاسوكويز، والتشيلية آليا ترابوكو زيران.
أما من يقولون إن الفائزة هي المُترجِمة، أيْ أنّ ما فعلته المترجمة إلى الإنكليزية هو ما جلب الجائزة لجوخة، فلا بأس في الإقرار بأن كلامهم صحيح، لكنْ ليسمحوا بالسؤال: تُرى، ماذا كانت ستترجم مارلين بوث ما لم تجد مادة تترجمها؟.. فحين ترجم أنطوان غالان "ألف ليلة وليلة" في القرن السابع عشر قيل إن ترجمته هي التي جعلت النص مُهمّا؛ إلى أن جاء بورخيس الذي يُجيد عدة لغات، وفاجأنا بأن الترجمات الأخرى، وخصوصا ترجمة إدوارد لِين، هي الأهم حسب وجهة نظره. وأنا في غاية التأكد من أن بورخيس لو كان يتقن العربية التي اجتهد في تعلمها على يد معلّم من الإسكندرية، ولكن العمر لم يسعفه، لو قرأها بالعربية لقال الكلام نفسَه عن النص الأصلي.
وأقول لمن يرون إن ما أنجزته جوخة إنجاز "شخصي": كلامكم صحيح، ولكن جوخة حين تشارك تحمل معها اسم اللغة العربية، خصوصا حين تشارك في فعاليات وأنشطة ثقافية في دول غير ناطقة بالعربية (كما حدث ويحدث). وتحمل، قبل ذلك، اسم بلدها، سلطنة عُمان؛ فما إن أُعلن فوز جوخة الحارثي بالـ"مان بوكر" العالمية، حتى أخذت أكبر صحف العالم تروّج اسمها. كما تتابعت عليها الدعوات من كل بقاع الأرض، واضطرت، لكي تلبّي بعضها، إلى غربلتها وجدولتها. قبل جائحة كورونا استطاعت أن تزور الهند، وتلقي محاضرات في بعض جامعاتها، مناظِرةً في الأدب العربي، سفيرةً "غير متوجة". كما زارت ماليزيا والدنمارك وغيرهما. وما زالت الدعوات تصل إليها تباعا. وأخيرا كانت في قطر، ولكنْ فقط عبر تقنية الـ"سكايب".
يمكن استثمار هذا التفوق العالمي لجوخة الحارثي في سياقات كثيرة، تصبّ في صالح اللغة والأدب العربيين، فاعتمادا على صدى إنجازها الكبير، يمكنها أن تكون خير مروّج للغة والأدب العربيين في العالم، حتى في بلادها .. فماذا لو ألقت جوخة، مثلا، محاضرات دورية في الجامعة لطلبة أجانب؟ سيحجون إلى الفائزة بجائزة بوكر من أكثر من بقعة من العالم، ليغرفوا من زادها المعرفي في لغتها الأم، خصوصا أن جوخة أكاديمية، إلى جانب إجادتها الإنكليزية.
استطاعت إذن "سيّدات القمر" القادمات من "شرقية" عُمان بعصامية نادرة، ممثلات في الكاتبة جوخة الحارثي، أن يُزحن أسماء كبيرة، لتنتزع الحارثي الجائزة عن جدارة واستحقاق، متبوئةً بذلك مركزا يعدّ طموحا "شبه مستحيل" لأيّ كاتب في العالم، وليس فقط في أوطاننا العربية. فما حقّقته جوخة من إنجاز هو، في ظني المتواضع، أشبه بالمعجزة "وهل المعجزة شيء آخر غير خرق العادة"، كما كتب محمد عابد الجابري في "تكوين العقل العربي". ويستدعي المقام، كذلك، أن أعرّج على أمر مهمّ، أن جوخة تكتب عن النساء في مجتمع مغلق، تعيش المرأة فيه إكراهات المجتمع الذكوري، فجميع ما كتبت تقريبا من قصص وروايات عن المرأة وعوالمها وأحلامها. هذا هو عالمها الذي تعرفه، والذي أخلصت لتأمّله واستكناه خباياه وكنوزه. فأين نحن من هذه الإنجازات والخدمات الجليلة التي أسدتها هذه الرّوائية الموهوبة للأدب العُماني والعربي عموما؟

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي