أين تبخّرت أراجيف المطبّعين؟

أين تبخّرت أراجيف المطبّعين؟

22 ديسمبر 2021
+ الخط -

قبل سنة، أعلنت أربع دول عربية، الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، تطبيع علاقاتها مع إسرائيل. ولتسويق هذا التحول المفاجئ في علاقاتها مع الدولة التي قامت فوق أرض فلسطين التاريخية، وما زالت تمارس القتل والاعتقال والتعذيب والتشريد في حق شعب فلسطين، حاولت أنظمة هذه الدول، كل حسب سياقاتها، تقديم تبريراتٍ لإقدامها على هذه الخطوة المخالفة لقرارات جامعة الدول العربية، والمعارضة توجهات شعوبها الرافضة للكيان الصهيوني، والمخالفة قيم الدفاع عن الحق واستنكار الظلم ومناصرة المظلوم. كانت دولة الإمارات، قائدة قطار التطبيع، هي أول المطبعين، وبرّرت قرارها بأنه كان ضرورياً لوقف الاستيطان، ومنع الإسرائيليين من فرض سيادتهم على أجزاء من الضفة الغربية المحتلة وتنفيذ خطة الضم التي ستقضي تماماً على حل الدولتين للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني. أما البحرين فبرّرت تطبيعها مع إسرائيل بحماية أمنها من الخطر الإيراني الداهم، وصيانة مصالحها الاقتصادية وتعزيز شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة! ولم يجد قائد الجيش في السودان، عبد الفتاح البرهان، ما يبرّر به قراره الأحادي التطبيع مع إسرائيل سوى أنه سيعود بمنافع كثيرة على السودانيين، أولاها رفع اسم بلدهم من قائمة الإرهاب، وتدفق المساعدات الأميركية والاستثمارات الإسرائيلية على السودان. وبرّرت السلطات المغربية قرارها التطبيع مع إسرائيل بأنه استئناف لعلاقات قديمة ظلت قائمة، ولو في الخفاء، وتغليبٌ لمصلحة المغرب من أجل حسم قضية الصحراء، بما أن قرار التطبيع قابله قرار اعتراف الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، بسيادة المغرب على هذا الإقليم المتنازع عليه مع جبهة بوليساريو المدعومة من الجزائر، وأخيراً إعادة ربط الاتصال مع ما يصفه الإعلام الرسمي المغربي بـ "الجالية اليهودية المغربية"، أي الإسرائيليين من أصول مغربية ممن قرّروا مغادرة المغرب نهائياً، وبمحض إرادتهم، للاستقرار في إسرائيل، وأغلبهم ينتمون إلى أقصى اليمين الإسرائيلي المعادي لكل الحقوق الفلسطينية.

عملية التطبيع شرعنت الاحتلال ووجهت طعنة غادرة للفلسطينيين

اليوم، وبعد مرور عام على قرارات التطبيع مع الكيان الصهيوني، تعالوا نتأكد مما تحقق من هذه التبريرات التي سيقت لتضليل الرأي العام المحلي في بلدان التطبيع، وللتغطية على "الخطيئة" التي لا يمكن أن تغتفر، لأنها شرعنت الاحتلال ووجهت طعنة غادرة للفلسطينيين. هل توقف الاستيطان وأقبرت خطة الضم؟ الواقع أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تصف نفسها بأنها "حكومة المستوطنين"، وخلال العام المنتهي رخصت لبناء أحياء استيطانية جديدة فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة وداخل مدينة القدس الشرقية. وأحصى تقرير أممي أكثر من 17100 وحدة سكنية استيطانية يجرى بناؤها أو تم الترخيص لبنائها خلال هذا العام فقط. ويصف التقرير الذي أعده خبيرا حقوق إنسان تابعان للأمم المتحدة، وصدر بداية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، الاستيطان بأنه "ماكينة الاحتلال"، لأنه الذي يشرعن لمجموعة واسعة من انتهاكات حقوق الإنسان ضد الفلسطينيين، بما في ذلك القتل ومصادرة الأراضي، وعزل الموارد، وتقييد حرية التنقل، وتصاعد العنف، والتمييز العنصري والعرقي، وطمس الحق في تقرير المصير وإفشال كل محاولات التسوية السلمية بإنهاء حلم إقامة الدولة الفلسطينية والقضاء على القضية.

ونتيجةً لاستمرار سياسة الاحتلال والاستيطان، استشهد 341 فلسطينياً خلال عشرة أشهر فقط من هذا العام، ما يرفع عدد شهداء فلسطين منذ النكبة إلى أكثر من مائة ألف شهيد. وخلال ستة أشهر فقط من العام الحالي، وثّق تقرير صادر عن "هيئة شؤون الأسرى والمحرّرين" اعتقال أكثر من 5400 فلسطيني، بينهم 854 طفلاً، و107 نساء. أما نادي الأسير الفلسطيني، فقد أحصى 1149 طفلاً فلسطينياً اعتقلتهم إسرائيل منذ بداية العام الحالي ما زال 160 منهم قيد الاعتقال، فيما ارتفع عدد الشهداء، منذ بداية العام وحتى نهاية أكتوبر/ تشرين الأول، إلى 341 شهيداً، كلهم مدنيون، بينهم أطفال ونساء. لقد أدّت اتفاقات التطبيع إلى توفير الغطاء للحكومة الإسرائيلية المتطرّفة لتصعيد إرهاب المستوطنين، وشن حملات تحريضية تحارب الوجود الفلسطيني، وتستبيح دم الفلسطينيين من خلال سياسة "الإعدام الميداني" التي باتت قوات الاحتلال تطبقها بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، وتعمّق الاستيطان، بغرض إغلاق الباب نهائياً أمام أية فرصة لإقامة دولة فلسطينية وإحلال السلام المفترى عليه في تصريحات المطبّعين.

سيكتشف المطبّعون أنهم جنوا على شعوبهم ودولهم، عندما وضعوا أيديهم في أيدي ساسة إسرائيليين عنصريين ومجرمين

وبخصوص ما سيق من تبريراتٍ حول الاستجارة بإسرائيل لوقف الخطر الإيراني الداهم، يبدو أن السياسة الخارجية للإمارات تسعى إلى نهج الدبلوماسية في حل مشكلاتها مع خصمها التقليدي إيران، لتجنّب صراعٍ مكلف في المنطقة، يمكنه أن ينسف طموحاتها الاقتصادية والتجارية والسياحية. أما ما تم ترويحه خلال ما سميت "ورشة البحرين"، لجمع 50 مليار دولار لإقامة السلام الإسرائيلي الفلسطيني الذي سيعم بالخير على جميع دول المنطقة، فقد ذهبت مثلما يذهب زبد البحر، ليبقى ما ينفع الناس، وما ينفع الناس هو الثبات على القيم التي لا تُباع ولا تُشترى. وواقع السودان اليوم لا يختلف عن مآل الوعود الكاذبة التي صدرت عن "ورشة البحرين"، فبعد سنة على قرار التطبيع، ما زال السودان يراوح مكانه، مثقل بالديون ومكبّل، باقتصاد منهك ووضع اجتماعي محتقن. لم يجن من اتفاق التطبيع سوى العار والذل والهوان. وعندما نصل إلى المغرب الذي فاجأت سلطاته الجميع بقوة اندماجها في مسلسل التطبيع، بل وسرعتها في ترجمته إلى علاقات "استراتيجية" واتفاقات أمنية وعسكرية، فعدا هذه الاتفاقات التي لا يُعرف الكثير عنها، والرابح منها مالياً بالدرجة الأولى هي إسرائيل، فلا شيء تحقّق من التبريرات الأخرى التي تم ترويجها إبّان التوقيع على قرار التطبيع. فعلى الرغم من عدم تراجع الإدارة الأميركية الجديدة عن قرار الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، إلا أن هذا القرار لم يفعّل على أرض الواقع، والقنصلية الأميركية التي كان مخططاً لها أن ترى النور على مدينة الداخلة في إقليم الصحراء ما زالت تصاميمها حبراً على ورق. أما المليارات التي وعدت الإدارة الأميركية السابقة باستثمارها في الإقليم لترسيخ "الشراكة الاستراتيجية القوية" بين البلدين، فلا حديث عنها اليوم. وحتى قطاع السياحة الذي كان ينتظر زيارة مئتي ألف سائح إسرائيلي من أبناء "الجالية المغربية في إسرائيل"، فلم يزر المغرب منهم هذا العام سوى أقل من 50 ألف سائح، فيما وصل هذا العدد إلى 70 ألف سائح عام 2019، أي سنة قبل قرار التطبيع، وهو ما اضطرّ شركات طيران إسرائيلية، من بينها شركة العال، إلى تعليق رحلاتها إلى المغرب إلى أجل غير مسمّى، لأسباب تجارية محضة!

الخلاصة أن التطبيع لم يكن هو الحل للقضية الفلسطينية. وأبعد من ذلك لن يأتي بالسلام إلى المنطقة، لأن جوهر المشكل هو الاحتلال الإسرائيلي لدولة فلسطين، وظلم شعبها وقهره، وما دام الاحتلال قائماً وحقوق الفلسطينيين مهضومة، فلن ينتهي المشكل. أما المطبّعون فسيأتي اليوم الذي يكتشفون فيه أنهم خدعوا أنفسهم، وجنوا على شعوبهم ودولهم، عندما وضعوا أيديهم في أيدي ساسة إسرائيليين عنصريين ومجرمين، لا تهمهم سوى مصالحهم ومصالح دولتهم القائمة على الأساطير الصهيونية التي تؤمن بتفوق العرق اليهودي على كل البشر، وتعد اليهود بالسيطرة على الأرض. فما دامت العقيدة الصهيونية قائمةً لن تقوم للسلام قائمة على الأرض، وما عدا ذلك من وعود وتبريرات لمد اليد إلى الأيادي الملطّخة بدماء الفلسطينيين فهي مجرّد أراجيف، سرعان ما كشف الزمن القصير حقيقتها وعرّاها لمن ما زالت على أعينهم غشاوة.