أيديولوجيات جديدة

أيديولوجيات جديدة

31 يوليو 2021
الصورة

(منير الشعراني)

+ الخط -

فكرة الأضحية قديمة قدم التاريخ، وظلت تمارس في كل الديانات الأرضية والسماوية، وأضحية عيد الأضحى أقدم من ظهور الإسلام بكثير، (موروث أسطوري)، إلا أن بعضهم يصرّ مع كل قدوم للعيد، على ربطها بظهور الإسلام، وكيل الاتهامات لأصحابها، مع أنها ربما من أكثر الطقوس الدينية تراحما وتشاركا إنسانيا. ومع ذلك تمتلئ صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بالهجوم على هذا الطقس، وعلى الإسلام، وبالاستهزاء من المسلمين بطريقة فجّة ومنفرة. وتؤتي عكس ما يريد أصحابها، فهي تزيد تمسّك المؤمنين بإيمانهم وطقوسهم، وتربّي لديهم مظلومية تجعلهم مستفزّين من أي انتقادٍ يخصّ الدين، حتى لو كان رفضا للراديكالية الجهادية، وهو ما حدث مع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والتنظيمات الأخرى، حيث دافع عن وجودها متضرّرون منها، بسبب مظلومية اضطهاد المسلمين التي يشعر بها ملايين المسلمين، المضطهدين فعلا، ولكن من حكوماتهم وأنظمتهم، حيث الأوضاع الاقتصادية المتردّية، والتجهيل المتعمّد، والإقصاء عن الحياة السياسية والعامة، وعدم وضع الأنظمة خططا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية تعين الشعوب على استرجاع حياتها المفقودة، عدا عن الحروب الحاصلة، والتهجير والتشريد، وكل ما سبّبته أنظمة الاستبداد لشعوبها الغارقة في البؤس.

ينقسم مهاجمو عيد الأضحى إلى عدة فئات: الأولى تهاجم كل ما يتعلق بالإسلام، ومنهم من يطلقون على أنفسهم "علمانيين"، مع أن العلمانية نظام حكم سياسي واجتماعي، ولا تتدخل بإيمان البشر وعقائدهم الذاتية. الثانية تعترض على فكرة الأضحية بحد ذاتها، وينتقدون "الإله" الذي يرضى بالأضاحي، ويهاجمون أصحاب الأضاحي بوصفهم "أغبياء" غرّرت بهم الأديان. الثالثة فئة "الدفاع عن حقوق الحيوانات"، يرون أن ذبح الأضاحي بالشكل المعتاد بالغ العنف، ولا رحمة فيه تجاه الحيوانات. الرابعة تضم أصحاب النظم الغذائية النباتية، ومن يسمّون "الفيجن"، وهم الفئة التي لا تأكل أي منتج حيواني، بما فيها الألبان والأجبان والبيض، وطبعا الأسماك. منطقهم أنه ليس من حق البشر الاعتداء على حياة المخلوقات الأخرى، وأن ما يفعلونه يساهم في سيطرة البشر على كوكب الأرض على حساب باقي المخلوقات. وعلى الرغم من نبل هذه النظرية، إلا أنها طوباوية، ولا يمكن تعميمها ولا فرضها، كما يرغب أصحابها. معظم "الفيجن"، على ما أعرف، أشخاص لادينيون، أو لا يؤمنون بالأديان السماوية على الأقل. والغالبية منهم واثقون من النظرية الداروينية لتطور البشرية، (أصل الإنسان حيوان). إذاً، غرائز الإنسان مشابهة لغرائز أصوله، الحيوانات. ومن الحيوانات آكلة اللحوم، ومنها عشبية، ومنها ما تأكل النوعين. وإذا ما جاع الحيوان، حتى العشبي، سوف يأكل كل ما يراه. الجوع يحفّز غريزة البقاء. وحين يشعر الكائن الحي بخطرٍ يهدّد وجوده يقوم بأي فعل يردع ذلك الخطر. ثمّة قصص عن بشر وضعتهم الظروف السياسية أو الحوادث الطبيعية في منطقةٍ تحفز غريزة البقاء. هؤلاء فعلوا، للبقاء على الحياة، ما تفعله الحيوانات اللاحمة، أكلوا لحم من مات من زملائهم وأصدقائهم.

ماذا يمكن لمحاصرين في مكانٍ ما أن يفعلوه لمحاربة جوعهم وجوع أبنائهم؟ سوف يأكلون كل ما يمكن أكله. أكل كثيرون قططا وكلابا في أماكن محاصرة، وهي محرّمة في عقائدهم. لو زادت مدة الحصار، ولم يبق قطط وكلاب وقوارض، سوف يأكل بعضهم بعضا. حدث هذا كثيرا في التاريخ، ولا علاقة لهؤلاء بآكلي لحوم البشر، لقد جاعوا فقط وأرادوا البقاء على قيد الحياة. ماذا عمّن يعيشون في المحيط المتجمّد الشمالي (الأسكيمو)؟ لا يمكنهم البقاء على قيد الحياة سوى عبر اصطياد الحيوانات وأكلها. تفرض البيئة الطبيعية التي يعيشون فيها عليهم نوعية طعامهم. لا يمكن لنبل فكرة، كالامتناع عن أكل كل منتج حيواني لأسبابٍ إنسانيةٍ، أن تستطيع منع سكان الأسكيمو من اصطياد الحيوانات وأكل لحومها.

بالعودة إلى فكرة الأضاحي، ثمّة ملايين من البشر، خصوصا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تنتظر مع أولادها عيد الأضحى، لتستمتع بطعم اللحمة التي أصبحت طعام المترفين. هل يحق لأفكارنا (النبيلة)، ولإنسانيتنا تجاه باقي الكائنات، أن تمنع عنهم ما هو حلال، ولا يستطيعون الحصول عليه بسبب الفقر؟ من حقّ أيٍّ كان أن يعيش كما يريد، وأن يأكل ما يريد، ولكن ليس من حقه أن تتحوّل رؤيته إلى أيديولوجيا جديدة، ينظر بها، ويحاول فرضها على الآخرين.