"أوسكار" محمود الرحبي

14 فبراير 2026
+ الخط -

صناعة المجازات من أهم وظائف قرائح الأدباء، شعراءَ وساردين. وعندما يسمّي صديقُنا القاصّ العُماني، محمود الرحبي، فوزَه بجائزة الملتقى للقصّة القصيرة العربية، في دورتها الثامنة الأسبوع الماضي، بأنه "فوزٌ بأوسكار الجوائز الأدبية العربية"، لا يهوّن من منزلة جوائز عربيةٍ أدبيةٍ أخرى، فلك، إن أردت، أن تفترض أن إحداها السعفة الذهبية بين مثيلاتها، وأخرى الدبّ الذهبي. إنما أراد محمود التعبير عن غبطته بالجائزة التي كرَّمت بها لجنة تحكيم مقدّرة (برئاسة الناقد المصري محمد الشحّات) مجموعته "لا بارَ في شيكاغو" (محترف أوكسجين للنشر، أونتاريو، 2025)، وأظنّه لم يتزيّد لمّا اعتبرها "أهم جائزةٍ عربيةٍ على الإطلاق للقصة القصيرة"، فهذا الجنس الأدبي يحوز اكتراثاً به قليلاً. ومن اللائق، في هذا المقام، أن تُزجى التحية المستحقّة للروائي والقاصّ، والناشط الثقافي، الكويتي، طالب الرفاعي، على تأسيسه هذه الجائزة، ورئاسته مجلس أمنائها، ومتابعة تفاصيلها، وقد صحّت إشارته، في تظاهرة تكريم أصحاب المجموعات القصصية في القائمة القصيرة، وإعلان محمود الرحبي فائزاً، إلى أن جائزة الملتقى "تزداد حضوراً وأهميّةً"، وصار يُشار إليها "أوسكار الجوائز الأدبية العربية".

أما شيكاغو في القصّة التي تحمل المجموعة الفائزة اسمها فليست الولاية الأميركية المعلومة، وإنما اسم حيٍّ في منطقة البنوك والأسواق التجارية الكبرى في مسقط. بطل القصة شخصٌ يبدو مُتعباً، مثقلاً بهمومه، تورّط في سرقة بيتٍ فأمضى أربع سنوات في السجن، فتركته زوجتُه. تشيع القصة التباساً مُربكاً، يقوم على المفارقة النابهة، فنّياً وسردياً، إذ يتخيّل البطل، واسمُه يوحي بأنه هندي، وهو عاملٌ في شركة توصيل كهرباء، أنه يحتسي البيرة، في بارٍ لا وجود له في الحي، غير أنه يؤنس وحدته، الموحشة على ما تكشف ظلال القصة في سردها المتهادي، بأنه يفعل هذا، وهو الذي يستخدم عكّازاً يُعينه، بسبب إعاقة عملٍ سابقة. ولمّا كانت البراعة الأوضح في قصص الرحبي في قفلاته لها، فإن "لا بارَ في شيكاغو" تنتهي بغناءٍ عُماني (أو خليجي) يردّده "مال الله"، وهو الذي كان في بارٍ "تتسلّل منه الموسيقى الهندية الراقصة لتملأ الفضاء بمرح ناعم".

راقتني مناورة محمود الرحبي هنا، وهذا الالتباس الموحي، والهادئ الوقْع والإيقاع، وأنا في الطائرة، عائداً من دمشق إلى الدوحة، أقرأ ما تبقى من قصص المجموعة التي اقتنيتُها من معرض دمشق الدولي للكتاب. وراقتني أكثر تقليديّة القصّ وبساطته في توازيهما مع انشغالٍ بالحالة الشعورية للشخصيات في جوّانياتها، وكذا في منظوراتها إلى الأشياء والموجودات والعالم الخارجي. وذلك كله، وغيرُه، بلغةٍ مباشرة، لا تتوسّل المجازات ولا يغويها الشعري والبلاغي. وقد حكى بنفسه مرّة عن ميله إلى "الاقتصاد اللغوي". وبهذا، يجوز الزعم إنّ الرحبي لا تستهويه، في قصص مجموعته هذه وفي غيرها، التجريبيّة المغالية في بناء القصة، من قبيل الإفراط في تناوب الأزمنة، والاستغراق الذي يُجازف في التخييل. ولا يعتنق صديقُنا خيارَه هذا في رفض أي مساحات لعبٍ أخرى في مجرى القصّ، ففي المجموعة الفائزة بـ"أوسكار"، قصّة بين الـ14 فيها، مفارقةٌ للأنفاس العامة البادية في القصص الأخرى، "انتقام بوذا"، وهي الأطول (والأكثر تركيبيّة)، يُسبّب فيها "عطر النسيم" الذي يملك مصنعه وزيرٌ نافذٌ في الدولة فواجع، واحتقاناتٍ في الشرايين، وتشنجٍاً مميتاً. ويتوازى مع الحكي عن هذا العطر الغريب، في زمنٍ غير متعيّن، أن اختراعاً في الأثناء يتيح فصل أعضاء الإنسان جميعها وتبديلها، فيختار السارد أن يكون برأسٍ صينيٍّ خفيف. وتفيد القصة من فلسفة الزن، اليابانية (غالباً)، والتي تقوم على التأمل والاستغراق في أجواء روحية خاصة. يدخل السارد في رحلةٍ طويلةٍ لإذابة جسده، وقد مات والدُه بمرض "هجر النوم الدائم"، ودفنه في يوم دفن أمّه التي ماتت قبل أربع سنوات. ... وهكذا، يطوفُ قارئ هذه القصة في عجائبيةٍ شائقة، مغايرةٍ لما قرأ في سابقاتها من قصص حضر فيها المكانُ العُماني، المتنوّع، وحكى هامشيون وبسطاء عن أمزجتهم، ومسارات حياتهم، وأحلامهم وأشواقهم... وفي الأخير، منحوا كاتباً جعلهم ساردين، ينطقون عن أنفسهم، طلْقين في هواءٍ طلق، أوسكار القصة القصيرة العربية... ألف مبروك.

معن البياري
معن البياري
رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن، مواليد 1965.