"أهو ده اللي صار" مسلسلاً نادراً

24 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

على الرغم من أن أحداث مسلسل "أهو ده اللي صار" الذي كتبه عبد الحميد كمال وأخرجه حاتم علي، تدور في قصر بالإسكندرية، وتسرد حكاية أسرة يوسف نوار باشا، الأرستقراطية العريقة المتسلسلة، إلا أنه، حقيقة، منحازٌ للشعب، وقيم التحرّر والانعتاق. والدليل هذا العنوان المأخوذ حرفياً، من الأغنية الخالدة التي أبدعها فنان الشعب، سيد درويش (1892- 1923)، ولخص بها حال مصر في زمانه، وبالأخص قوله: تلوم عليَّ ازاي يا سيدنا/ وخير بلدنا مهوش في إيدنا؟.. وبما أن أحداث المسلسل تبدأ من سنة 1918، فقد وجد المؤلف فرصة لإشراك سيد درويش نفسه في العمل، يقف في مشهد مع الشبان المجدّدين المغامرين (علي بحر، وبديع البساطي، وأصداف، وفرح) الذين يبدعون أعمالهم المسرحية في عشّة مجاورة للقصر، إذ يتوسط لهم عند مدير المسرح، لكي يتبنى إحدى مسرحياتهم. وليس مصادفة أن يشترك في المسلسل فنانو الشعب الآخرون: بديع خيري، ونجيب الريحاني، وبيرم التونسي.
التاريخ تاريخان، واحدٌ تكتبه السلطة الحاكمة، أو يحاول آخرون تزويره في وقت لاحق، مثلما فعل المليونير البساطي الحفيد الذي استبسل في سبيل شراء القصر، لكي يُجَمِّل تاريخ جده بديع الذي ظهر نفعيا وانتهازيا، وفي أحد المشاهد يشي برفاقه. والآخر التاريخ الحقيقي الذي يكتبه أناس عاديون صادقون، من دون أن يكون لهم هدف بتحقيق ربح، أو منصب، أو جاه. مثاله في سورية كتاب "حوادث دمشق اليومية" للبديري الحلاق، وفي "أهو ده اللي صار"، الكتاب التاريخي الخطير الذي دوّنه جوني منصور، ويؤرخ فيه لشعب الإسكندرية بصدق.
شخصية جوني منصور كانت مجسّدة ضمن أحداث المسلسل، وهي عامرة بالمفاجآت الطريفة.. فهو إنكليزي، لكنه ليس محسوباً على جيش الاحتلال، أو على الخارجية البريطانية. هو إنسان، أحب شعب هذه البلاد، وعاش مآسيه وأفراحه، وأرّخ له بكل صدق. وما تجدر ملاحظته هنا، أن الدراما العربية لم تعتد على إظهار شخصٍ ينتمي إلى دولةٍ محتلةٍ، بوصفه شخصية إيجابية. والأحلى أن جوني كان من الشبان الذين أحبّوا الراقصة أصداف، ولكنها كانت تحب علي بحر، وقد بقي على صداقة مع الجميع، وعندما أراد أن يتزوّج، كان لا بد له قانونياً من أن يسلم، فأسلم، وكان أحد أحفاده عضواً في جماعة الإخوان المسلمين! السر الخطير الذي يكشفه جوني، وعليه قام القسم الأكبر من أحداث المسلسل، أن يوسف باشا الأول أحبّ خادمة القصر نادرة، وهي أحبته. ومن خلال هذا الحب، نشأ عنصر درامي تقليدي، قادته خديجة هانم (سوسن بدر)، يتلخص في أنها تريد الحفاظ على السلالة، من خلال تزويج ابنها الوحيد بإحدى بنات السادة، ولكن المؤلف كسر الحلقة التقليدية، إذ جعل يوسف عقيماً، يتزوج ويطلّق إرضاء لوالدته، من دون جدوى، حتى يصاب بمرض الكبد، ويشارف على الموت، فلا تجد أمه دواءً له غير الحب، فتأتي بنادرة وتزوجهما، وهنا تظهر مفاجأة درامية أخرى، أن نادرة كانت حبلى من زوجها الصعيدي المتوفى، هلاوي، وخديجة هانم التي كانت تحلم بطفل تستمر به السلالة، تغتبط لوجود الجنين، وتتكتم عليه بقصد أن توحي باستمرار السلالة الباشوية، ولا ينكشف السر لولا التاريخ الحقيقي لجوني منصور. 
تطلّب شمول زمن المسلسل مائةَ سنة من المؤلف، تسيير أحداث الصراع على ملكية القصر بين عدة شخصيات معاصرة، بالتوازي مع سرد القصة القديمة، ما يذكّر بالفكرة الماركيزية في "مائة عام من العزلة"، وشخصية خديجة تذكّر بأورسولا، وزواج علي البحر من أصداف، وهما في سن الشيخوخة، يذكّر برواية "الحب في زمن الكوليرا" لماركيز نفسه.. إنه، أخيراً، عمل فني نادر، تألق فيه أحمد داود، وروبي، وأروى جودة، وسوسن بدر، ومحمد فرّاج.