أن يُجمِع السوريون على حاتم علي

05 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

لا يمكن فصل إجماع السوريين بالحزن على المخرج السوري، حاتم علي، عن سياقه العام الذي يلحظ التطورات التي طرأت على مزاج السوريين، معارضين للنظام وموالين. وقياساً إلى الفترة ذاتها من السنة الماضية، يمكن أن نلمس أن ثوابت لدى بعض الموالين قد تغيَّرت، حتى بدا صوتهم توفيقياً أكثرَ، وأقل حدّةً في التعاطي مع قضايا في الشأن العام يرونها خلافيةً. وهو تغيُّرٌ لم يكن ليحدث لو لم ترمِ متاعب الحياة الاقتصادية والاجتماعية بثقلها عليهم، مثل غيمة أفرغت ما في جيوبها من حبات بردٍ كبيرةٍ وخطيرة، دفعةً واحدةً فوق رؤوسهم واختفت، فأتى تعاطفهم مع المخرج وحزنهم عليه وكأنه احتجاج صامت على الواقع الذي أصبحوا عليه.
كانت تصريحات المخرج الراحل، والتي يمكن أن تعكس موقفه من النظام أو الحراك الشعبي سنة 2011 قليلة، غير أنه صُنِّف ضمن الفنانين المعارضين. وجاء خروجه من البلاد بصمتٍ، ومن ثم واقعة فصله من نقابة الفنانين في سورية، لتكون سبباً كافياً لبعضهم لتصنيفه مع الفنانين المعارضين للنظام. وإذ عبَّر في لقاء له مع صحيفة مصرية عن حزنه لما يجري في سورية من قتلٍ ودمارٍ وسفكٍ للدماء في الشوارع، لُوحِظَ انحيازه لثورات الربيع العربي، حين قال إنها سبيل الشعوب للخروج من النفق الضيق الذي تعيش فيه إلى طريق الحريات.
وكان لافتا هذا الإجماع من السوريين على شخصية حاتم علي، والرثاء غير المسبوق الذي حظي به منهم، إلى درجة تدفع المرء للبحث في صفحات الموالين عمن كتب عنه ما يشي بموقفٍ مغايرٍ، كأن يذمّه بسبب موقفه من النظام فلا يجد. وهذه من حالاتٍ قليلةٍ خلال السنوات العشر الأخيرة، يُجمع فيها السوريون على شخصيةٍ، أو قضية من واقعهم. وعلى الرغم من عدم نعي نقابة الفنانين له، واكتفائها بإعلانها عن وفاته، إلا أن ذلك لم يمنع الموالين من مواصلة الحديث عن مناقبه واستعادة أعماله، والغوص في شخصه وفي ثقافته وروحه التي بثها في أعمالها فلاقت أرواحهم. وما من شيء آخر سوى نبله وعمق التزامه بالإنسان، هو ما كان يقف وراء إخراجه عملاً يظهر عذابات الشعب الفلسطيني، ليحتار المرء في ما إذا كانت تلك العين التي وقفت خلف العدسة، وجسَّدت تلك التغريبة الفلسطينية على الشاشة، سورية أم فلسطينية. ما يعرفه السوريون أن أعمال هذا المخرج الدرامية لامست شغاف قلوبهم، وكانت حبهم الذي يرونه على الشاشة، ويرون مواعيدهم الغرامية ولوعتهم وبكاءهم الصامت بسبب ما يثقل القلب من وجدٍ وهوى أليم. وكانت بالنسبة لآخرين تاريخهم الحي وذاكرتهم ووجدانهم، والشخصيات التاريخية التي خرجت من الحكايات والتاريخ الذي شكل جزءاً من ذاكرتهم لتتجسّد أمامهم على الشاشة بكامل هيبتها وألقها.

ما يعرفه السوريون أن أعمال  المخرج الدرامية لامست شغاف قلوبهم، وكانت حبهم الذي يرونه على الشاشة

ليس معلوما إن كان هنالك تغيُّرٌ في موقف السلطة من المعارضين، أو غير الموالين، حتى رأينا التسهيلات التي قدمتها الحكومة السورية لجلب جثمانه وتشييعه بالطريقة الجماهيرية التي ظهرت في شوارع دمشق. لكن ذلك لم يمنع كثيرين في سورية من نعيه وإظهار غضبهم من القهر الذي لازمه كما لازم كل السوريين، فأضني قلبه وغلبه. وكما كانت أجواء التعليقات والرثاء على وسائل التواصل الاجتماعي محملةً بكمٍّ كبير من الوجد، كانت جنازته مشهداً يلفّه القهر الذي أمات السوريين مع غيره من الأسباب التي أماتتهم.
لذلك كله دلالات على أنه، إضافة إلى كل هذا القهر، هنالك كم كبير من الحزن والغضب والاحتجاج على الفقر والذل الذي أصبح عليه السوريون. هؤلاء الذين يعيشون حرباً من نوعٍ آخر، تشهد معاركَ يومية لتأمين الرغيف للاستمرار على قيد الحياة، ليس أكثر. فتجدهم، ومع قارورة غاز الطبخ والتيار الكهربائي ومازوت التدفئة الذي أصبح عزيزاً، وقلة الحيلة التي تمنعهم من تأمين أهم متطلبات العيش، باتوا بحاجة لشيء يخرجون به القهر المتمكّن منهم. ولم يكن ينقص العوامل المسببة لكل هذا القهر إلا الخبر الذي زاد الغضب والألم واليأس، ذلك الذي تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أيامٍ من وفاة المخرج، عن بيعٍ سيارة بالمزاد العلني في دمشق بمبلغ ثلاثة أرباع المليار ليرة سورية، أي ما يعادل رواتب موظف حكومي درجة أولى 900 سنة.
ربما يكون الموقف الذي أظهره الموالون دلالةً على حاجة لديهم للخلاص من واقعٍ لا يفعل تكريس الاستقطاب فيه إلا زيادة في وعورة الطريق المؤدية إلى حله. ويبدو أن الجميع بات يعرف أن تأمين الحاجات الضرورية لمنع الجوع، أصبح أهم من عنتريات أو تخوينات لا تغنيهم عن جوعٍ ولا تدفئهم. وسيتواصل ظهور هذه الدلالات وبأشكال مختلفة، ليس أقلها دلالة استقبال الناس نعش الفنان لدى خروجه من المسجد بالتصفيق، تصفيقٌ يليق بشهيدٍ، وأهازيج تدعو شامه لاستقباله، علَّ ياسمينها يتفتح حين يحتضن ترابها جسده.