أن تكتب عن ميشيل كيلو

20 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

لا تنقاد إليك المفردات بيُسر، عندما تُباشر الكتابة عن ميشيل كيلو. ليس فقط لأن ضربة البداية ستُحيّرك، وإنما أيضا لأن الغزير من الشخصيّ والعام، السوري والفلسطيني والعربي، الفكري والسياسي والثقافي، سيحتشدُ قدّامك. ستُخفق غالبا في الذي تنتقيه لتبدأ سطورَك عن رجلٍ أقام عقودا على قيم الحرية والديمقراطية والعدالة والمواطنة، وزاول مهمّة المثقف الطليعي، عن حق، بين شعبه وأمته، وكان جديرا بها. ستُخفق لأن نهرا من الكلمات سيجري عن مثقفٍ عربي، نادر المثال، كان مهجوسا بدورٍ له، بمهمةٍ يؤدّيها، صاحب موقفٍ معلن، بلا مهادنةٍ أو مراوغة. ولذلك احتمل أكلاف ما قال وكتَب وصنع، عندما لم تتسامح معه سلطة الاستبداد في وطنه سورية. سُجن غير مرّة، بتهمٍ من الصنف إياه، إضعاف الشعور القومي مثلا، وغالَب عَنَتا معلوما. لن تُحسن وقف نهر الكلمات إن بدأتَ تكتب عن ميشيل كيلو. قد لا يصير في وسعك أن تنتقل من شطرٍ إلى شطر آخر في هذا الرجل، للسّعة التي كانت عليها مناقبيّته الرفيعة، للوداعة الوفيرة فيه، للروح الشابّة التي ظلّ عليها، ولإيمانه الذي بقي فيه، حتى وهو يرى الحُطام السوري الراهن، والقاع العربي الركيك، بأن الأمل في الأمة وشابّاتها وشبابها قد ينقصُ أحيانا لكنه لن يغيب، قد يضعُف مرّة لكنه لن ينطفئ.
تحتاج للكتابة عن ميشيل كيلو أن تُسعفك، أولا وتاليا، درايةٌ حسنةٌ بسورية، ماضيها وراهنها، سيما في عقود "البعث" وما سبقها، فقد كانت للراحل الكبير مساهماتُه الفكرية، ذات المسحة التأملية الحاذقة في جريان الذي جرى لسورية. ولذلك، ليس مفاجئا، لنا، نحن قرّاء ميشيل كيلو وأصدقاءه، أن يودّع الحياة بعد إنجازه كتابا، تكثّفت فيه المعاني والمغازي، عنوانه "من الأمة إلى الطائفة .. سورية تحت حكم البعث والعسكر" (موازييك، إسطنبول، 2020). طاف فيه الكاتب الذي نحبّ على ألوان التسلط التي كابدها السوريون، وهو الذي انتسبَ إلى ثورتهم منذ اللحظة الأولى، الثورة التي هجست بها نخبةٌ سوريةٌ متنورة، في مبادرات غير قليلة، من أجل عبور وطنها إلى ضفافٍ أخرى، مضادّة للدكتاتورية الماثلة، فكان أبو أيهم، في مطالع الألفية، من صنّاع ربيع دمشق ونشطائه، ومن الذين اشتغلوا على لجانٍ وتجمعاتٍ مدنية، في سورية نفسها، في جهدٍ منه موصولٍ بمواجهاته مع نظام الأسد الأب الذي اعتقله أيضا، وكان الرفيق الدؤوب، في الأثناء، في مقدّمة أصواتٍ سوريةٍ ديمقراطيةٍ مناضلة، جهرت بحق المواطن السوري بالعدالة.
تحتاج للكتابة عن ميشيل كيلو أن تختبر قدرتك على الإحاطة بمشاغله التي بلا عدد، وتنوعت فيها عطاءاته، وهو المثقف المجتهد المجدّ. لقد نشر، قبل ثلاثة أعوام، روايةً تواضَع وعدّها قصة طويلة، دلّت على كفاءةٍ أدبيةٍ فيه عالية، فبالترميز الموحي، وباللغة العالية الشحنات، أمكن لروايته تلك "دير الجسور" (دار ميسلون، إسطنبول 2019) أن يكون لها مطرحها في المدونة الروائية العربية التي اختصّت بالعسف والاستبداد. لقد جعل القامع، وليس المقموع، الشخصية المركزية في الرواية، ليأخذك السرد إلى ما آلت إليه أحوال هذا المخلوق الأداة، لمّا صار مسخا مرذولا ممن استخدموه. وقد كان "الروائي" ميشيل كيلو، في طوْرٍ من مساره الثقافي مترجما نشطا (عن الألمانية ربما)، فقدّم للمكتبة العربية إصداراتٍ مترجمةً عن الإمبريالية والاشتراكية وصناعة السياسة وغيرها.
تحتاج للكتابة عن ميشيل كيلو أن تعرف جيدا أي عروبيةٍ وطنيةٍ رابط عليها هذا الاسم السوري البهي. لقد قَدِم إلى معسكرات الفدائيين الفلسطينيين في الأردن، في خواتيم الستينيات، ليتطوّع، وليكون في متن تجربة المقاومة. ثم كان له أن صار من أبهى المثقفين العرب الذين انتسبوا إلى فلسطين أفقا للحرية والنضال في كل بلد عربي من أجل زمن عربي آخر، مضاد للدكتاتوريات المقيتة، وقد كتب، في رسالته إلى السوريين، عبر "العربي الجديد"، وهو على سرير المرض قبل أيام، "كفاحنا مع شعب فلسطين جزء من كفاحنا ضد الاستبداد".
أما صاحب هذه السطور فيحتاج وقتا غير قليل ليتعافى من مُصابه الشخصي بفقدان أستاذ صديق، وأخ كبير، ناصحٍ ومحاور. أتذكّرني أصادفُ اسمه على كتاب ترجمَه، قبل أربعة عقود إلا بضع سنوات، ثم يحدّثني قبل أكثر من ثلاثين عاما كاتبٌ مغربيٌّ عنه مثقفا طليعيا، فأبادر إلى متابعة مقالاته وكتاباته في صحفٍ كنت أقرأها.. وبعد سنوات وسنوات، سأسعد بالتعرّف عن قرب إلى شخصه الغزير السجايا، وبلقاءاتٍ معه، وبمكالمات لم تتوقف، آخرها في المستشفى لمّا أصيب بالفيروس. ودائما يشيع فيّ سرورا به، وهو المحدّث الباسم والعميق. وأيضا لأفرح في كل مقالةٍ يرسلها للنشر في موعدها الأسبوعي في "العربي الجديد"، وهو يضمّنها تباسطا، وتحايا مُحبّة منه "إلى الصديق العزيز" ..

وداعا ميشيل كيلو.