أن تقرأَ كتاباً شائقاً عن السرطان

08 نوفمبر 2025
+ الخط -

يُشيع اسمُه التطيّر والخوف، فيُؤثر بعضُنا شهرَتَه "المرض العاطل" على اسمِه السرطان، بالنظر إلى أن من يحدُث أن يُصابوا به غالباً ما يأخُذُهم إلى الموت، ولو بعد علاجاتٍ وصور أشعةٍ ومراجعات أطباء ومستشفيات. وأن تقرأ كتاباً عنه من نحو 700 صفحة، فإنك لا بدّ ستُورّط نفسَك في انقباضٍ ومزاجٍ كئيب، إلا إذا كنتَ من أهل الصنعة، المشتغلين بالطب والتقدّم العلمي بشأن هذا المرض سيئ السمعة. ولكنك لن تكون على ذلك الحال، عندما تقرأ كتاب المدير العام لمركز الحسين للسرطان (في عمّان)، النطّاسي المثقّف، عاصم منصور "عندما تخون الخلايا... السرطان من المسافة صفر" (الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان، 2025)، لأنه ليس كتاباً عن هذا المرض بصفته المحض طبّية، ولا باعتباره المرض المخيف إيّاه، بل هو طوافٌ في تجارب إنسانيةٍ من الغرب والشرق، قد تُلهمك، وبالتأكيد تُطمئنك وتبثُّ فيك الثقة بقدرة الإنسان، غالباً، إذا ما توازت مع المعرفة والعلم والوعي، على تطويق انتشار السرطان عند الإصابة به، وعلى تجاوزه والنجاة منه. كما يطوفُ هذا الكتاب، الشائقُ عن حقّ (لم لا أقول الممتع أيضاً؟)، في تاريخ هذا المرض والتداوي منه، منذ جهود الطبيب المصري القديم، إمحوتب (2625 ق. م) مروراً بما صنعه الطبيب المسلم ابن زهر (مواليد إشبيلية في 1110م)، وما جدّ في أوروبا وقبلها في اليونان القديمة، وصولاً إلى أحدث التكنولوجيات في كشف الإصابة بالسرطان وعلاجاته في الولايات المتحدة وغيرها، فضلا عن تجارب المختبرات ونتائج المسوحات والاستطلاعات. والبديع في الكتاب، غير المملّ (23 فصلاً)، أنه يأتي على تجارب متنوّعة وغنيّة بالتفاصيل الحميمة، عرفها المؤلف وعايشها وتابع علاجها (منها شابّةٌ أصيبت بسرطان الدم الحادّ في عمر الـ14 عاما، وقطعت رحلة علاج ليست سهلة، إلى أن تعافت، ثم زاولت حياتها الطبيعية)، وأخرى قرأ عنها أو تعرّف إليها في رحلاتٍ علمية، وذلك كله مع انتقاء وقائع شخصيةٍ مثقلةٍ بالمعاني والإيحاءات، منذ وفاة جدّه بالسرطان، مروراً بدراسته الطب في أوكرانيا، ثم الاختصاص في بريطانيا والولايات المتحدة، وصولاً إلى عمله في 1998 في المركز الطبّي الذي يُحرِز سمعةً عالميّةً متقدّمة، ويديره منذ 13 عاماً.
الكتاب عابرٌ للأذواق والأمزجة، لأنه كتابٌ في العلم والتاريخ والأدب والاجتماع وعلم النفس. وإلى البساطة الضافية في لغته، والتي تُقيم ألفةً مع القارئ، ثمّة الانشغال بالجوهري والعميق في "قصصٍ"، يسرُدُها صاحبُنا بحذاقةٍ وإيجاز، لا يحسنُ قراءتها قصصاً وحسب، بل وقائع معرفيةً وعلميةً وطبّيةً، وإنسانية من قبلُ ومن بعد. يُضاعف من أهمية معرفتها الحسّ الإداري، عالي النباهة فيما أعتقد، لدى عاصم منصور، والذين يأتي على بعضِهم ممن ساهموا في اكتشاف طرائق التعامل مع كل حالة خاصة، مُربكة أو مُحيّرة أو غريبة أو ... إلخ. وهذا موصولٌ، بكيفيّةٍ وبأخرى، بالرعاية الصحّية وشروطها وبيئاتها، مفهوماً وممارسة. وثمّة الحسّ نفسُه في التعامل مع شركات الأجهزة والأدوات الطبية والجراحية والتشخيصيّة، فهناك سوقٌ وأسعارٌ واحتكاراتٌ وأكلافٌ وما لا نعرف نحن الجمهور العام، الذين يُنبئنا الكتاب بمساوئ الكحول والتبغ (والسجائر الإلكترونية) والسكّر.
أخبر مريضٌ منصور بأن أصعب ما في رحلة السرطان انتظار المجهول، فيكتُب متفهّماً هذا، ويرى أن السرطان لا يكتفي بطرح التحدّيات الجسدية فقط، بل يُلحق آلاماً نفسيةً كبيرةً بالمرضى، ويوضِح أن الأثر النفسي لفترة الانتظار يمتدّ إلى ما هو أكثر من مجرّد القلق. وإلى إتيانِه على أبعادٍ عديدة، علمية واجتماعية ونفسية في موضوعته، يشدّد على السرطان بصفته "معركة وعي". ويرى في إعلان الملك الحسين إصابته بالسرطان مرّتين شجاعة، وكذا ظهوره حاسر الرأس وقد تساقط شعرُه. ويُخبرنا بأننا إذا أردنا النهوض بصحّة المواطنين في وطننا العربي علينا البدء بإصلاحاتٍ شاملةٍ وواسعةٍ للأنظمة الصحية القائمة. ويقول الكاتب الذوّاقة (يجول في رواية ماركيز "قصة موت معلن")، إنه يعلم أن نقل الأنباء السيئة علمٌ وفنٌّ لا يمتلكه كثيرون، وليس كلُّ طبيبٍ مؤهّلاً لأن يفعل ذلك... وأختم هنا بأن عاصم منصور لم ينقُل إلى قرّاء كتابه، الشائق مرّة أخرى، ما هو سيئ، بل بسط نجاحاتٍ وطموحاتٍ وإرشاداتٍ وضروراتٍ للوقاية من السرطان والتعافي منه والنجاة منه، فله، إذن، طيّب التحايا.

معن البياري
معن البياري
رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن، مواليد 1965.