أنقذوا مروان البرغوثي؟

11 ديسمبر 2025
+ الخط -

لا شيء يتغيّر في حال مروان البرغوثي في محبسه، يُعلَن وقف إطلاق النار في قطاع غزّة، وهو عدوان وحشي وليس حرباً في أيّ حال؛ يتوعّد الرئيس الأميركي فنزويلا؛ يحتفل السوريون بالذكرى السنوية الأولى لانتصار ثورتهم؛ يتجوّل الرئيس التونسي قيس سعيّد في شارع بورقيبة غداة اعتقال أحمد نجيب الشابي؛ يُعرَض فيلم "الست" في مهرجان مراكش السينمائي؛ يهطل المطر غزيراً في المنطقة، ويكون أكثر قسوة في غزّة. تحدُث أشياء أخرى في كوريا الشمالية، وفي الجبهة الأوكرانية، وفي صفقة "نتفليكس" للاستحواذ على شركة "وارنر براذرز" للإنتاج، ما قد يغيّر مفهوم الإنتاج السينمائي وآلياته إلى الأبد. يحدُث هذا (وسواه)، ومروان البرغوثي ما زال في محبسه، متنقّلاً من سجن إلى آخر، ويُمنع من مقابلة أسرته الصغيرة، والأسوأ أنه يتعرّض لحفلات ضربٍ غير رحيمة، سادية وانتقامية، لتجريده من إنسانيته بين حين وآخر. لكنّ العالم، وربّما قطاع لا يُستهان به من شعبه نفسه، لا يعرف ولم يعد يكترث. ففي مقابل المذبحة وأطنان الركام التي كانت منازل وبيوتاً، واكتشاف مزيد من جثامين شهداء العدوان الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزّة، ثمّة أولوياتٌ تُنسي، وجروح يحلم المصابون بها أن تلتئم.

الجديد أن البرغوثي تعرّض لاعتداء جديد، خسيس ولا إنساني، كُسّرت خلاله أسنانه وبعض ضلوعه وأصابعه، وقُطع جزء من أذنه. ماذا تبقّى ولم يفعله سجّانوه؟ أن يُنتزع كبده أو يُقطّع من خلاف؟ الرجل الذي يبدو نحيلاً أكثر ممّا يجب، بملامح تختلف كثيراً عن صوره في الانتفاضة الفلسطينية الثانية، حين كان شابّاً فتيَّ الجسم، ممتلئاً، على حيوية نادرة، بابتسامة صغيرة لكن ودودة ومحبّبة، أضحى الآن مجرّد جسد يختبر فيه إيتمار بن غفير ساديّته وغطرسته ومركّبات نقصه كلّها.

لم تعد للأمر علاقة بمفهوم السجن والسجناء في الأدبيات السياسية عبر التاريخ، بل بالإرث النازي الذي يواصله بن غفير بفخر، فيجرّد السجّان رهينته من إنسانيّته، ويدفعها إلى الدرك الحيواني، ثم التمثيل فيها، بلا هدف "واقعي" أو "منطقي"، فأنت لا تنتصر على سجينك مهما فعلت، لا لأنه أقوى، بل لانتفاء مفهوم النصر والهزيمة من الأساس في هذا النوع من النزالات.

ليست هذه المرّة الأولى التي يتعرّض فيها البرغوثي للاعتداء، بل تتزايد وتيرة الاعتداءات عليه مع كل حدث سياسي يطرأ، ويكون الأسير الفلسطيني العظيم في قلبه من دون أن يسعى. فمع وقف إطلاق النار في قطاع غزّة، والبدء في تداول سيناريوهات "اليوم التالي"، برز اسم البرغوثي مجدّداً، فهو الزعيم الفلسطيني الوحيد القادر على توحيد الفلسطينيين على الفكرة لا الأرض فقط، وجمع قطاع غزّة والضفة الغربية معاً في مقعد واحد في قطار التسوية إذا انطلق، وحركة حماس وبعض فتح إلى طاولة واحدة، وهو ما تعرفه إسرائيل جيّداً ولا تريده بأيّ ثمن، فعلى الفلسطينيين ألا يكون لهم عنوان أو ممثّل يحظى بالإجماع، وهم يلملمون ما تقطّع من جثث أبنائهم وما دُمّر من حياتهم.

ألمح الرئيس الأميركي ترامب، في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، إلى أنه قد يتخذ قراراً بشأن الإفراج عن الأسير البرغوثي، وكان ذلك اعترافاً ضمنياً بدور حاسم ومحتمل للرجل في "اليوم التالي". ومنذ ذلك الوقت، ووتيرة الاعتداءات عليه تتزايد، حتى وصلت إلى اقتطاع أجزاء من جسمه، كأنما هو جسد البلاد نفسها وهو يُقضم ويُعزل ويُلحق بإسرائيل. ومن المؤسف أن يمر هذا كلّه بلا تضامنٍ يليق، وأن يتصدّر الآخرون في العالم الحملات الدولية للإفراج عن البرغوثي، بينما يُغفَل ما يحدُث له حتى من التعليقات العابرة، لا لأن ما يلحق بالفلسطينيين من أذى بالغ وتهديد وجودي لا يقتصر عليه وحسب، بل لأن ثمّة من يتضرّر من عودة اسم الرجل إلى التداول على الأقلّ، وهؤلاء موجودون في إسرائيل، وفي رام الله للأسف!

ثمّة عطبٌ لا سبيل إلى إصلاحه أصاب "روح" الفلسطينيين، تشويه عنيف في بدائيّته ومفاعيله ترك ندوبه العميقة في شخصيتهم، يجعلهم يعتادون الألم ويألفونه، والانقسام فيزيدونه ويقتاتون عليه، فلا يشعرون بحجم عذاباتهم، بل يحوّلونها شعاراً وقدراً إلهياً يميّزهم عن سواهم، كأنما خُلقوا ليُقتَلوا.

والحال هذه، فلنترك للممثل الإسباني خافيير بارديم ورفاقه من الأحرار في العالم مهمّة الدعوة إلى إنقاذ البرغوثي، فالفلسطينيون مشغولون دوماً بما هو أهم: انقساماتهم.

زياد بركات
زياد بركات
قاص وروائي وصحفي فلسطيني/ أردني، عمل محررا وكاتبا في الصحافتين، الأردنية والقطرية، وصحفيا ومعدّا للبرامج في قناة الجزيرة.