أنقذوا سليمان الريسوني قبل فوات الأوان

أنقذوا سليمان الريسوني قبل فوات الأوان

16 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

للمرة الثانية خلال أربعة أسابيع، أكتب عن قضية الصحافي المغربي سليمان الريسوني، المعتقل منذ أكثر من عام، والمضرب عن الطعام. وعندما ينشر هذا المقال سيكون سليمان، لو كُتب له أن يستمر على قيد الحياة، قد أمضى 70 يوماً من هذا الإضراب المفتوح، وهي أطول فترة إضراب عن الطعام يخوضها معتقل رأي في عهد الملك محمد السادس.

الريسوني هو آخر رئيس تحرير لصحيفة أخبار اليوم، وهي آخر صحيفة مستقلة في المغرب اضطرت إلى إغلاق أبوابها منتصف مارس/ آذار الماضي، تحت ضغط التضييق المالي الذي عانت منه منذ اعتقال مديرها ومؤسسها الصحافي توفيق بوعشرين، المحكوم عليه بالسجن النافذ 15 سنة، في قضية أخلاقية، أثارت جدلاً كبيراً، بسبب الخلفيات السياسية لاستهداف الصحافي الذي عرف بكتاباته الجريئة. ومثل بوعشرين، عُرف الريسوني، هو الآخر، بلغته المباشرة ومقالاته القوية على الصفحة الأولى، وفي المكان نفسه الذي كانت تنشر فيه مقالات زميله ومديره الذي سبقه إلى السجن، وهو ما يدفع إلى الاعتقاد بأنّ اعتقاله كان بقرار سياسي، قبل أن يكون بفعل جنائي.

سليمان الريسوني، حسب ما نقل عنه شقيقه رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أحمد الريسوني، الذي زاره نهاية الأسبوع الماضي في سجنه، لم يضرب عن الطعام إلّا بعدما قضى أكثر من سنة من "الاعتقال والإهمال" من دون محاكمة. ولذلك، يعتبر إضرابه عن الطعام، كما كتب شقيقه، نقلاً عنه "وجهاً آخر من وجوه نضاله للإصلاح والتقويم في وطننا ودولتنا، وأنّ المهم ليس هو شخصه، وإنّما خدمة المصلحة العامة". ما كان يطالب به سليمان، منذ اعتقاله قبل سنة ونيف، محاكمة عادلة وهو في حالة إطلاق سراح، حتى يستطيع أن يقف أمام المحكمة على قدم المساواة نفسها، جنباً إلى جنب، مع الشخص الذي يتهمه بالاعتداء عليه جنسياً. أما تأخر القضاء، غير المبرّر، في البتّ في قضيته، كلّ هذه الفترة، فهو ما يبعث على الشكّ في أنّ خلفيات الاعتقال سياسية، وليست جنائية فقط، لأنّ كلّ يوم يقضيه وراء القضبان هو اعتقال تعسفي، إن لم يكن انتقامياً أملته الجهة التي أمرت أول الأمر باعتقاله.

الكلفة السياسية التي يؤدّيها المغرب كبيرة، جرّاء القضايا السياسية التي تسيء إلى صورته، في تقارير منظمات دولية تنتقد تراجع منسوب حرية الرأي والصحافة في المغرب

تمطيط محاكمة الريسوني، وحرمانه من حقه في محاكمة عادلة، يدفعان إلى الاعتقاد بأنّ قضيته سياسية بالدرجة الأولى، وحلّها لا يمكن أن يكون إلّا بقرار سياسي، بعدما عجز القضاء، أو على الأقل تأخر وماطل في البتّ في قضيةٍ يجرى البتّ في عشراتٍ من أمثالها يومياً أمام المحاكم المغربية في مدة أقل بكثير من التي استغرقتها القضية موضوع هذه المقالة. لذلك، ناشدت منظمة "مراسلون بلا حدود" التي تبنّت قضية الريسوني باعتباره معتقل رأي، الملك محمد السادس، التدخل من أجل إطلاق سراح الصحافي المضرب عن الطعام قبل فوات الأوان.

ليس سليمان الريسوني، المعتقل في زنزانة انفرادية، وحيداً في محبسه، إذ يعتقل معه صحافي آخر، هو عمر الراضي، الذي أمضى، هو الآخر، ما يناهز سنة في زنزانة انفرادية، ولأسباب شبيهة بالتي يتابَع من أجلها سليمان، لكنّ الخلفية في القضيتين تبقى سياسية، ليس فقط لأنّ المعتقليْن صحافيان، وإنّما لأنّهما عرفا بمقالاتهما المنتقدة وتحقيقاتهما المزعجة التي جلبت عليها مضايقات السلطة قبل اعتقالهما وانتقامها منهما، بعد زجّهما في السجن من دون محاكمة، كما جلبت لهما، في الآن نفسه، تعاطف قرّاء كثيرين معهما في محنتهما، ومساندة منظمات حقوقية ذات مصداقية عدة، داخل المغرب وخارجه، وارتفاع أصوات شخصيات بارزة تطالب بالإفراج عنهما، منها للرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي.

تمطيط محاكمة الريسوني، وحرمانه من محاكمة عادلة، يدفعان إلى الاعتقاد بأنّ قضيته سياسية

الكلفة السياسية التي يؤدّيها المغرب كبيرة، جرّاء مثل هذه القضايا السياسية التي تسيء إلى صورته، في تقارير منظمات دولية عديدة تنتقد تراجع منسوب حرية الرأي والصحافة في المغرب، منذ نكسة الثورات المضادّة. وفي المقابل، ما تعتبره جهات منتصرة للمراقبة الأمنية "نجاحاً" في ضبط حرية الرأي والتعبير، للتحكم في صناعة الرأي والعام وتوجيهه، هي أكبر كذبةٍ يتم ترويجها خدمة لأصحاب المقاربة نفسها، لأنّ الواقع يعكس نقيض ذلك. وتكفي زيارة مواقع التواصل الاجتماعي لقياس منسوب النقد المصحوب بغضبٍ شعبي متصاعد، يتفاعل داخل أحشاء المجتمع، وقابل للفوران في كلّ لحظة. اعتقال صحافيين أو ثلاثة أو أكثر، والتنكيل بهم إعلامياً، وإغلاق الصحف المستقلة، وتكميم الأفواه المنتقدة، والتضييق على الهوامش المتبقية في المجال العام، كلّها حلولٌ آنيةٌ تم تجريبها في وصفات أنظمة سابقة كانت نهايتها مأساوية، بعدما ثارت ضدها شعوبها. وإطلاق سراح معتقل رأي، سواء تعلق الأمر بصحافي أو ناشط سياسي، لن يحلّ المشكلة اليوم، لكنّه سيساهم في التسريع بحالة الانفراج السياسي التي يطالب بالحاجة إليها اليوم كثيرون من عقلاء المغرب، بمن فيهم شخصياتٌ لا تخفي دفاعها عن السلطة وخياراتها السياسية. وفي حالة سليمان الريسوني، المصرّ على المضيّ في إضرابه المفتوح عن الطعام حتى "الحرية أو الشهادة" كما سبق أن عبّر هو نفسه عن ذلك، فإنّ أيّ انتكاسةٍ سلبيةٍ قد تصيبه، لا قدّر الله، ستكون لها انعكاسات وخيمة على وضع سياسي يطبعه الجمود وأزمة اقتصادية أثرت في حياة ملايين المغاربة جرّاء جائحة كورونا، كما سيكون لها صدى مدوٍّ في تقارير المنظمات الدولية التي سارع كثير منها إلى دقّ ناقوس الخطر، محذّرة من وقوع الكارثة الوشيك. أما الكلفة السياسة لما قد يقع، فلن تكفي لتغطيتها كلّ الأموال والإمكانات المادية التي تصرف اليوم لاستمرار النهج نفسه، لأنّ الثمن سيكون هو الأثر السيئ الذي سيطبع هذه المرحلة في تاريخ المغرب، وهنا لا بوليصة أو عقد تأمين يضمن استمرار تغطيتها في المستقبل.