أنفاق آزوف وأنفاق رفح... مأساة واحدة ومعايير مختلفة
في ربيع عام 2022، شكّل حصار مصنع آزوفستال في ماريوبول الأوكرانية لحظة مفصلية في صياغة الموقف الدولي من الحرب في أوكرانيا. لم تكن هناك حاجة إلى تأويل كثير كي يتوصل العالم إلى قناعة واحدة: أن المقاتلين المحاصرين داخل أنفاق المجمع الفولاذي تحت القصف الروسي يواجهون خطراً مباشراً يستدعي تدخّلاً عاجلاً. تحرّكت العواصم الغربية بسرعة، وتوالت البيانات السياسية والحقوقية، وانخرطت الأمم المتحدة والصليب الأحمر في مشاورات مكثفة لفتح ممرّات إنسانية. بدا واضحاً أن حياة المحاصرين أولوية لا ترتبط بسياق سياسي وبحرب طاحنة بين قوى تتصارع حول أهداف سياسية واستراتيجية، بل بمبدأ أخلاقي يفترض أن يكون فوق كل اعتبار وتنفيذه لا يحتمل التأجيل أو التردد.
بعد ثلاث سنوات فقط، يتكرّر المشهد من حيث الشكل في رفح، جنوب قطاع غزّة، لكن الاستجابة الدولية تختلف جذرياً. فهناك، داخل شبكة أنفاق ضيقة، يوجد منذ عدة أسابيع نحو مائتي مقاتل فلسطيني عالقين في ظروف لا تقل خطورة عن تلك التي عاشها مقاتلو آزوف. الهواء شحيح، الماء نادر، وربما الغذاء منعدم، والممرات مغلقة بالكامل تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية. وقد وثّق جيش الاحتلال بنفسه بعضاً من أفعاله الإجرامية عبر الفيديو وهو يصب الخرسانة في الأنفاق لإعدام المقاتلين المحاصرين أحياء في جوف الأرض، دون أن يثير ذلك ردوداً من النوع الذي اعتاد العالم على سماعه في أزمات إنسانية أخرى سواء في زمن السلم أو الحرب. مع أن هذه الأفعال تُعد انتهاكات جسيمة ترتقي إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لأنها تستهدف بشكل مباشر أماكن ربما يوجد فيها مدنيون أو مقاتلون عاجزون عن الدفاع عن أنفسهم، وتُمنع عنهم عمداً أي إمكانية للنجاة أو الإجلاء.
وتزداد المفارقة وضوحاً عندما نلاحظ أن الاهتمام الغربي يتجه في الوقت نفسه نحو قضية رفات ثلاثة جنود إسرائيليين قُتلوا بنيران جيشهم ودُفنوا تحت الأنقاض. فقد تحولت هذه القضية إلى محور أساسي في التغطية الإعلامية والضغوط السياسية، بينما بقي وضع المقاتلين المحاصرين في الأنفاق بعيداً عن دوائر النقاش. هذا التفاوت لا يفسّره حجم الخطر ولا طبيعته، بل يفسره تحديد أي القصتين تُروى أولاً، ومن تُعطى قصته مكاناً على جدول الأعمال السياسية وفي صدارة الأخبار العالمية!
وتقدم أمثلة من التاريخ القريب دليلاً إضافياً على أن الاستجابة الدولية ليست مرتبطة فقط بخطورة الموقف، بل أيضاً بالاهتمام السياسي والإعلامي الذي يُخصّص له، كما تُظهر في الوقت نفسه نفاق العالم وازدواجية معاييره وقابليته للتحرك السريع حين تُصاغ القصة الإنسانية بطريقة تناسب مزاج السردية الغربية. ففي عام 2010، تابع العالم عملية إنقاذ عمّال منجم في تشيلي، حيث ظل نحو 30 عاملاً عالقين تحت الأرض لأكثر من شهرين، رافقت عملية إنقاذهم تغطية مكثفة، شاركت فيها حكومات وخبراء دوليون، وكان الحدث نموذجاً على قدرة العالم على التحرك الفوري لإنقاذ حياة بشر محاصرين. وقبل ثلاث سنوات تحولت قصة الطفل ريان، في المغرب، إلى حدث إنساني عالمي، عندما سقط في بئر عميقة وضيقة وتابعت وسائل الإعلام الدولية محاولات إنقاذه لحظة بلحظة، وصولاً إلى اللحظة التي أخرج فيها جثة هامدة من جوف البئر، بينما عمّ التعاطف كل أنحاء العالم، بما في ذلك غزة التي عبّر أطفالها يومها عن تضامنهم ودعائهم له. يومها لم يكن أحد يسأل عن خلفية الضحايا أو موقعهم على خريطة السياسة، كانت حياتهم وحدها هي ما يستدعي التضامن.
صدمة تاريخية كشفت الحدود الفعلية لما يسمّيه العالم "قانونا دوليا"، و"قيما إنسانية"
تُظهر هذه الأمثلة بوضوح أن العالم يتحرك بسرعة حين يُنظر إلى حياة أشخاص على أنها أولوية إنسانية وليست قضية مواقف وآراء سياسية. لكن عندما تعلق الأمر برفح وبفلسطينيين لم يصدر عن عواصم العالم، سواء في الغرب أو الشرق، أي ردّ يوازي حجم ما يجري، لا من حيث التوصيف ولا من حيث الموقف. فغياب الصوت السياسي، وقصور الحضور الإعلامي، وتجاهل المؤسسات الدولية، عوامل تجعل المحاصرين في وضع لا يمكن تفسيره إلا بأنه وصمة عار مخجلة ستبقى عالقة بالضمير الجمعي العالمي، خصوصاً حين نقارن ثِقل الصمت السائد اليوم بحجم التفاعل الذي حظي به حصار مقاتلي آزوف أو حادثة تشيلي أو مأساة الطفل ريان، بل وحتى عندما نقابله بردات الفعل الغربية التي "أقامت الدنيا وأقعدتها"، تضامنت وساعدت وبررت وشرعت وتغاضت عن حرب الإبادة في غزّة بدعوى حق إسرائيل في استعادة أسراها لدى المقاومة الفلسطينية، رغم أن أكثر من ثلثهم كانوا من الجنود المحتلين!
لا يمكن تفسير هذا التباين فقط بالاختلاف في السياق بين الحرب في أوكرانيا والحرب الإجرامية على غزّة، ولا بغياب الصور والقصص الإنسانية المؤثرة، بل أيضاً بمدى استعداد العالم لأن يعترف بأن حياة الفلسطينيين سواء كانوا مدنيين أو مقاتلين، حتى عندما يكونون محاصرين في وضع لا يتيح لهم الدفاع عن أنفسهم أو النجاة بها، تستحق أن تعامل مثل حياة باقي البشر. فالمواقع التي يُحاصر فيها مقاتلو رفح ليست مناطق اشتباك مفتوحة، بل أماكن مغلقة بالكامل تخضع لسلطة الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يحمّل الجيش الإسرائيلي المسؤولية المباشرة عن مصير العالقين فيها، وعن الأفعال التي تُرتكب فوقها وتحتها.
ما يحدث في أنفاق رفح ليس تفصيلاً في معركة، ولا جزءاً صغيراً من مشهدية أكبر جسدتها حرب الإبادة المستمرّة في صمت العالم ولامبالاته، بل هو حالة إنسانية وأخلاقية واضحة، تحمل كل عناصر الخطر التي حركت العالم سابقاً حين ارتبطت بعمال منجم في تشيلي أو بمقاتلين أوكرانيين أو بطفل مغربي سقط في بئر. العالم اليوم أمام اختبار آخر يحدد ما إذا كانت حماية الأرواح قيمة عامة تُطبّق على الجميع، أم أنها تظل مرتبطة بجغرافية البلد وجنسية ودين الضحية وبحجم القوة العسكرية والصوت السياسي والآلة الإعلامية لمن يستطيع أن يفرض روايته على العالم.
أُبيدت عائلات كاملة، ودُمّرت أحياء بكاملها، وتحوّلت المستشفيات والمدارس إلى أنقاض، بينما وقفت قوى دولية كثيرة، بما فيها عربية، متفرجة أو متواطئة بالصمت
بالنسبة للفلسطينيين، سيظل ما جرى في غزة وما يجري الآن في رفح جزءاً من جرح مفتوح لا يقتصر على حجم الدمار أو أعداد الضحايا، بل يمتد إلى الشعور العميق بأن العالم تركهم يواجهون مصيرهم وحدهم. فقد أُبيدت عائلات كاملة، ودُمّرت أحياء بكاملها، وتحوّلت المستشفيات والمدارس إلى أنقاض، بينما وقفت قوى دولية كثيرة، بما فيها عربية، متفرجة أو متواطئة بالصمت، من دون الحديث عن تلك التي شاركت في الجريمة وساعدت في ارتكابها وبرّرتها ودافعت عنها. هذا الإدراك سيظل حاضراً في ذاكرة الأجيال الفلسطينية والعربية القادمة، ليس فقط بوصف ما حدث حرب إبادة بشعة، بل باعتباره صدمة تاريخية كشفت الحدود الفعلية لما يسمّيه العالم "قانونا دوليا"، و"قيما إنسانية".
ما يحدث في أنفاق رفح اليوم امتداد مباشر للشعور بأن حياة الفلسطيني لا تُعامل بالجدّية نفسها ولا بالاستعجال نفسه حين تكون مهدّدة، رغم أن الخطر واضح ولا يحتاج إلى تفسير أو إثبات وإنما إلى مواقف إنسانية وأخلاقية شجاعة. وفي المقابل، تبقى كل أعمال إسرائيل، المارقة والخارقة لكل القوانين والعهود، فوق كل محاسبة أو عقاب، بمبرّر حقها "المقدّس" في الدفاع عن النفس حتى لو أبادت كل الشعوب المحيطة بها واحتلت أراضيها واستعمرت دولها!
على الجانب الآخر، لن يكون المجتمع الدولي بعيداً عن تبعات ما يحدث في غزّة ورفح، فالمجتمع الذي يبرّر ويتواطأ ويصمت عن تدمير مدن كاملة، ويتقبل عمليات عسكرية وقصفاً همجياً على أحياء سكنية ومستشفيات ومدارس وخيام لاجئين، واليوم يسكت على خنق مقاتلين محاصرين تحت الأرض، سيجد نفسه في مواجهة أسئلة لا يمكن تجاهلها، أسئلة لن تكون سياسية أو قانونية فقط، بل أخلاقية أيضاً، ستفرض مراجعة عميقة ومؤلمة حول معنى وجود قوانين دولية لا تُحترم وقوانين إنسانية لا تُراعى، وعن طبيعة القيم التي ستسود في المستقبل، وحول الإرث الذي سيتركه هذا الفصل المظلم من حياة البشرية للأجيال المقبلة.