أنظمة ممنوعة من التجمد والسقوط

04 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

وجدَ عصفورًا تجمّد من البرد، وبقي معلقًا في الهواء بحبلٍ خفي، أو لعله مسنود بعمود لا يُرى. نزلت دمعة على خدّه، وسالت، حزنًا على العصفور، أو لأنَّ البرد قريب الحزن، بقية أهله، كأنّه حداد على غيبة الحياة. البرد جلّاد يجلد بسياطٍ لا تُرى، وله خناجر يطعن بها. لا يعقل أمر العصفور، لا بد أنَّ للأمر تفسيرًا. تفكّر في أن يختبر أمر ذلك الساحر المغربي الذي كان معلقًا في الهواء، فأمر يده من تحته ومن فوقه، وكان الوقت صيفًا، قال له صديقه، وهما ينظران إلى ذلك المغربي، وهو يجلس في الهواء مصنّما ممسكًا بعصاه: هذا شيطان.

البرد شديد، له سلاسل وأغلال. ارتدى سروالين قطنيين، وكنزتين ومعطفًا، ووضع قلنسوة واعتمَّ بعمامة، وشدَّ رقبته بعصابة صوفية شدًا محكمًا، حتى تحصّن وتكفّن، كأنه مومياء، وتصدّى للمبارزة مع البرد المسلّح بآلاف السيوف. نظر إلى الأشجار الخاشعة، الأسيرة، وقال في نفسه إنّ البرد من أقرباء الحزن، إن كانت لهما أم، فأمهما الوحشة.

كان الشارع خاليًا وموحشًا خوفا من البرد المفترس. صدر من منخاريه دخان تنيّن مسكين، قال إنَّ الثلج يجلو مشاعر الشوق، ويعين على النظر في مجاهل النفس، ولم يكن الثلج قد ندف، لكنَّ الأرض ابيضَّت وشاخت من شدة البرد، ونثرت ملحا على الأرض، قال: إنَّ البرد طاغية، ويحكم بقانون الطوارئ. تجلّدت البرك المائية وتصبّرت، واحتبست وراء زجاجها ريحًا مختنقة، حاولت الفرار، فبانت مثل الهالات والالتهابات الجلدية، ووحمات البهاق. قال لصاحبه: هذا ليس سحرًا، إنها خدعة. انظر إلى عصاه، العصا معدنية وتسلك في كمه وتنتهي بكرسي معدني صغير يجلس عليه. العصا الوتد، والرجل يتكسّب بهذه الخدعة، وإنه لعملٌ شاقّ أن يتصبّر المرء يومه جالسًا بلا حراك لا يحكُّ رأسه كأنّه صخرة منصوبة، وكتلة مصبوبة. أصرَّ صاحبه: إنه شيطان، وهذا سحر. تراهنا وانتظرا حتى ملّا، فأشفق على صاحبه من الخسران، وعلى نفسه من الانتظار، فحملا متاعهما وتركا المغربي محنّطًا في الهواء مثل إشارة استفهام.

قال: كيف مات العصفور؟ الطيور كائناتٌ تتحمّل البرودة.

بقيت الدمعة حارّة على خدِّه، الدمع فيه مادة مانعة للتجمد، سالت دمعته على خدّه حتى تخللت شعرات لحيته.

وقفت أشواك الحديقة للبرد القائد، تأهبت بأوامر عسكريةٍ مبرمة لا تُنقض، عشبها يتقصف تحت القدم، ويتكسر مثل الزجاج، صوت تحطّمه يشبه وساوس الحصى وأنينها، وكان يتثنّى للنسيم من غير ألحان يومًا. قال لنفسه: ورد الحدائق قصير العمر وشوك البوادي معمّر. وسأل نفسه عن السبب وأجاب: لأنَّ الورد يسرف في الجمال وكريم يفرِّط في الرائحة، يموت بسرعة، بينما تقتّر الشوكة البخيل على نفسها وتقتصد، فتطول أعمارها. النكتة وردةٌ تموت بعد نطقها بقليل، أما العبرة فهي شوكةٌ تعيش طويلًا. الإنسان ينتقل بين أربعة خرائف: خريفٌ تسقط فيه الأوراق الحمراء من الشجر، وخريف سقوط الأغصان من البرد شتاء، وخريف سقوط السنابل الصفراء صيفاً، وخريف الربيع الذي تسقط فيه الثمار من السكر، وما الولادة إلا خريف حياء المرأة، وما بكاء وليدها إلا ندب لشبابها. إنّ حُزْناً في ساعةِ المَوْتِ أضْعَافُ سُرُورٍ في ساعَةِ الميلادِ.

حزن واحد غلب كتائب السرور. هكذا قضى أبو العلاء في المباراة بينهما.

في الأمثال: الأسى لا ينتسى، قال لنفسه: الحزن فيه مانع تجمد. فهو لا يرقأ. تذكّر عيني ميدوزا السحريتين اللتين كانتا تصخّران من ينظر إليهما، وتمسخانه حجرًا. تذكّر مرة ضابطًا على الحاجز، نظر إليه مهدّدًا، لأنَّ "هويته" كانت مكسورة، فتجمّد من نظرته ذعرا، وقال لنفسه: سلالة ميدوزا. قال: العين نبع، فيها مانع تجمّد، لكنها قادرة على التجميد بأشعتها غير السائلة. سأله صديقه: كيف بقي النظام السوري معلقًا في الهواء عشر سنوات، حيّا، لا يسقط ولا يطير، لا بدَّ أن أحدا ما زوّده بمانع تجمد. قال: النظام يستند إلى عصا، والعصا تنتهي في كمه إلى كرسي في عباءته، فهو يجلس عليها، مثل ذلك المغربي الذي قلتَ عنه شيطان. سأل: ما تفسير ذلك العصفور المجمّد في الهواء، فلا يسقط ولا يطير. قال: لا بد أنَّ لتعلق النظام في الهواء وعدم سقوطه تفسيرًا، لا بد أن ثمة قضيبًا يعكز عليه.