أمّ الدنيا والفاتحة أمانة

26 نوفمبر 2020
الصورة

(محمود سعيد)

+ الخط -

ثمّة إجماع على أن الروس هم آباء القصة المعاصرة، والإنكليز هم رواد المسرح، والأميركان سادة الرواية، والعرب هم أرباب الشعر، ولهم السابقة. ولا أجادل ولا أجالد، فتشيخوف هو أشهر قاص عالمي، غير أني رغبت عن قصته، بسبب روحها الكئيبة، ومزاجها الموحش. تعلقت بالقصة التركية فترة، ووجدتُ أن عيبها في استنسار المترجمين البغاث عليها، ولم أستطع ان أقرأ جيمس جويس أسطورة الغرب، وجفوت بورخيس، وأبهجتني قصص جاك لندن وأو. هنري. حاز زكريا تامر شهرة كبيرة لم يحظَ بها غيره من القصاصين العرب، فتُرجم إلى لغاتٍ كثيرة، ولقِّب بشاعر القصة العربية، ونفرت من أبطاله القساة، فهو قاص مترجِم قبل أن يترجَم، قصصه أشد وحشةً من قصص تشيخوف. ورتعت مع قصص وليد معماري ونجم الدين سمان وخطيب بدلة وتاج الدين الموسى وغيرهم، وكان قصّاصي السوري المفضل هو عبد السلام العجيلي، لكني رعيت في مراعي قصص المصريين قبلهم وفقهت عليها؛ نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ومصطفى محمود، ثم اللاحقين الذين عرفتهم في مجلة العربي في قصص قليلة، فتعلقت بهم، واستوت عاطفتي في جودي ميناء القصة المصرية، ففيها موجدة وحبٌّ لا أجدهما في قصص الآخرين، إنْ مرحت فهي الرضى وإنْ ترحت ومات ابطالها أقرأ الفاتحة.
كتب الباحث محمد شاويش مقالا على صفحته بعد زيارة مصر، سأضع له عنوان "وصف مصر"، فنظَّم ما نعرفه، وتحدّث عن معجزةٍ غير الأهرامات، فشعبها أئمة في اللطف والتهذيب، وتذويب الحواجز الطبقية العالية، وتعجّب من الرشاقة المرورية فهي معجزة من بقايا عصا موسى، وأذهلته خفّة الظل المصرية، والمودّة والقربى، فقد احتفل المصريون بالباحث وزوجته، ودلّوهما على المتاجر الرخيصة، كأنهم أقارب قدماء، ووجد أنَّ المصريين يتراحمون، مع أنَّ فقرهم شديد، فهم يتنازلون عن جزءٍ من السعر، وقد يتنازلون عنه كله. قال إنّه استقبل في المطار استقبالا خاليا من الود، "ودي مش عايزة كلام"، لكنَّ جمال الروح المصرية أنساه خشونتهم. وتحدّث عن تدين المصريين العميق عندما زار وزوجته مسجد أحمد ابن طولون، ثم أراد زيارة مسجد السيدة فأرشدهم عجوز: تسيرون من هنا على طول فتصلون إلى السيدة، "والفاتحة بقى أمانة"!
المناسبة هي رحيل سعيد الكفراوي، الذي قرأت له بعض القصص، منها حسنة وأخرى أقل حُسنا، وهو قليل الحفول بعلامات الترقيم، وأحيانا تجد أخطاء نحوية شائعة، هو ليس بقامة يوسف إدريس، ولا يوسف الشاروني أيضا، ولا جمال الغيطاني. هناك صفة جوهرية في القصة المصرية هي العذوبة والطيبة والعائلة والإنسانية. شاهدت إبّان رحيل الكفراوي فيلما وثائقيا هو مدافن سقارة، وتابعته وكأنه عرس، وسعدت لذكاء علماء مصر ونجابتهم.
في قصته "البغدادية"، يروي سعيد الكفراوي قصة لقاء بسيدة بغدادية زائرة من أميركا فتذكّره بنفسها فيتذكرها، ثم تموت في الليلة نفسها، فيحتار في دفنها دفنا كريما، فيعجز عن إقناع السفارة العراقية بإعادة جثمانها إلى بغداد، وترفض السفارة الأميركية دفنها في أميركا لعدم حصولها على الجنسية الأميركية. يتصل بأخيه، يسأله فيشير عليه بدفنها في قريتهما، يحضر الأخ بسيارته ويحملان الجثمان. وعند وصولهما إلى القرية، يجدان أهل القرية قد خرجوا جميعا لاستقبال المرحومة، وفي مقدمتهم القرّاء وهم يكبّرون، ثم يمضي إلى جانبها، وهي على النعش إلى مثواها الأخير بين أهلها وناسها... بعد قراءة القصة، خرجتُ إلى الشرفة أشهق شهيقا طويلا، وأتمنّى أن أموت في قريته.
في قصة "انتظار" لمحمد البساطي، ينبّه لاعبو كوتشينة، في مقهى محطة قطار سائحا، إلى أنَّ قطاره حطَّ، وذلك ودٌّ لا تجده في محطات العالم، فيخبر شلة الكوتشينة إنّه أحبَّ لعبتهم ويريد أن يعرف أسرارها. ويأتي قطار آخر، ويحذّرونه من شتاء الطين والرياح، فيقول لهم إنَّ الشتاء في بلاده أقسى وأظلم. يلعبون ويقدِّمون له الشاي أمام وجاق النار، ويأتي قطار منتصف الليل، فيوقظون ضيف بلادهم فيجدونه ميتا، وتسقط من يده ورقة وقد كتب عليها: آسف لما حدث، أحببت أن أموت في بلدكم الجميل.
والفاتحة أمانة، فقد مات في بلدنا وصار منّا.